للتحميل : عنوان الكتاب: أنوار البروق فى أنواع الفروق 
المؤلف:  الإمام شهاب الدين القرافي


رابط تحميل الكتاب
اضغط icon Anwar-al-brouq-al-Qarrafi.zip (1.02 MB)   هنا
موضوع هذا الكتاب لغة الفقه، والفروق بين ألفاظها، وبيان الفروق بين القواعد، ولا يقتصر على بيان المسائل الجزئية التي تشابهت صورها و اختلفت احكامها فقط، حسبما ورد عند المؤلفين في هذا الموضوع قبل هذا الكتاب
ويتضمن هذا الكتاب ماتضمنه كتاب القرافي: الذخيرة، مع زيادات وتوسع فى بسط المسائل و تحليلها، و فيه خمسمائة و ثمان و أربعين قاعدة مع إيضاح كل قاعدة بما يناسبها من الفروع.،ومفهوم القاعدة عند القرافى أوسع مدلولا من المعنى الذي تعارف عليه الفقهاء الذين سبقوه، لأنه يطلق لفظ القاعدة على ضوابط وأحكام أساسية، ويستهدف المؤلف بيان الفرق بين قاعدتين مع ذكر فروع لهما غالباً، و فى بعض المواضع يتعرض لذكر الفرق الواقع بين مسألتين من المسائل .
مقدمة الكتاب وخاتمته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ . الْحَمْدُ لِلَّهِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ وَفَارِقِ أَهْلِ الْغَيِّ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَسَائِقِ السَّحَابِ الثِّقَالِ بِهُبُوبِ الرِّيَاحِ وَمُنَزِّلِ الْفُرْقَانِ عَلَى عَبْدِهِ يَوْمَ الْكِفَاحِ بِبِيضِ الصِّفَاحِ مُحَذِّرًا مِنْ دَارِ الْبَوَارِ وَحَاثًّا عَلَى دَارِ الْفَلَاحِ الْمُنَزَّهِ فِي عَظِيمِ عَلَائِهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَرْوَاحِ وَمُشَاكَلَةِ الْأَشْبَاحِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً زَاكِيَةَ الْأَرْبَاحِ يَوْمَ الْقَدَّاحِ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَالْحُرُمَاتُ تُسْتَبَاحُ وَحِزْبُ الْكُفْرِ قَدْ عَمَّ الْفِجَاجَ وَالْبِطَاحَ فَلَمْ يَزَلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْشِدُ إلَى الْحَقِّ بِالْحِجَاجِ الْوِضَاحِ وَسَمْهَرِيَّةِ الرِّمَاحِ حَتَّى أَعْلَنَ مُنَادِيهِ فِي نَادِيهِ وَبَاحَ ، وَظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ فَطَارَ فِي الْآفَاقِ بِقَادِمَةٍ كَقَادِمَةِ الْجَنَاحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَمُحِبِّيهِ مَا أَزَالَ الظُّلَمَ الْحَنَادِسَ ضَوْءُ الصَّبَاحِ صَلَاةً نَحُوزُ بِهَا أَعْلَى رُتَبِ النَّجَاحِ وَنَخْلُصُ بِهَا مِنْ دَرَكَاتِ الْإِثْمِ وَالْجُنَاحِ . ( أَمَّا بَعْدُ ) فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُعَظَّمَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ زَادَ اللَّهُ تَعَالَى مَنَارَهَا شَرَفًا وَعُلُوًّا اشْتَمَلَتْ عَلَى أُصُولٍ وَفُرُوعٍ ، وَأُصُولُهَا قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ فِي غَالِبِ أَمْرِهِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا قَوَاعِدُ الْأَحْكَامِ النَّاشِئَةُ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ خَاصَّةً وَمَا يَعْرِضُ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ مِنْ النَّسْخِ وَالتَّرْجِيحِ وَنَحْوَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ وَالصِّيغَةِ الْخَاصَّةِ لِلْعُمُومِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا النَّمَطِ إلَّا كَوْنَ الْقِيَاسِ حُجَّةً وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَصِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ عَظِيمَةُ الْمَدَدِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ وَحِكَمِهِ ، لِكُلِّ قَاعِدَةٍ مِنْ الْفُرُوعِ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَا يُحْصَى وَلَمْ يُذْكَرْ مِنْهَا شَيْءٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ . وَإِنْ اتَّفَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ هُنَالِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ فَبَقِيَ تَفْصِيلُهُ لَمْ يَتَحَصَّلْ ، وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ مُهِمَّةٌ فِي الْفِقْهِ عَظِيمَةُ النَّفْعِ وَبِقَدْرِ الْإِحَاطَةِ بِهَا يَعْظُمُ قَدْرُ الْفَقِيهِ ، وَيَشْرُفُ وَيَظْهَرُ رَوْنَقُ الْفِقْهِ وَيُعْرَفُ وَتَتَّضِحُ مَنَاهِجُ الْفَتَاوَى وَتُكْشَفُ ، فِيهَا تَنَافَسَ الْعُلَمَاءُ وَتَفَاضَلَ الْفُضَلَاءُ ، وَبَرَزَ الْقَارِحُ عَلَى الْجَذَعِ وَحَازَ قَصَبَ السَّبْقِ مَنْ فِيهَا بَرَعَ ، وَمَنْ جَعَلَ يُخْرِجُ الْفُرُوعَ بِالْمُنَاسَبَاتِ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ تَنَاقَضَتْ عَلَيْهِ الْفُرُوعُ وَاخْتَلَفَتْ وَتَزَلْزَلَتْ خَوَاطِرُهُ فِيهَا وَاضْطَرَبَتْ ، وَضَاقَتْ نَفْسُهُ لِذَلِكَ وَقَنَطَتْ ، وَاحْتَاجَ إلَى حِفْظِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى وَانْتَهَى الْعُمْرُ وَلَمْ تَقْضِ نَفْسُهُ مِنْ طَلَبِ مُنَاهَا وَمَنْ ضَبَطَ الْفِقْهَ بِقَوَاعِدِهِ اسْتَغْنَى عَنْ حِفْظِ أَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ لِانْدِرَاجِهَا فِي الْكُلِّيَّاتِ ، وَاتَّحَدَ عِنْدَهُ مَا تَنَاقَضَ عِنْدَ غَيْرِهِ وَتَنَاسَبَ . وَأَجَابَ الشَّاسِعَ الْبَعِيدَ وَتَقَارَبَ وَحَصَّلَ طِلْبَتَهُ فِي أَقْرَبِ الْأَزْمَانِ وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ لِمَا أَشْرَقَ فِيهِ مِنْ الْبَيَانِ فَبَيْنَ الْمَقَامَيْنِ شَأْوٌ بَعِيدٌ وَبَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ تَفَاوُتٌ شَدِيدٌ ، وَقَدْ أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ أَنْ وَضَعْتُ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ مِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ شَيْئًا كَثِيرًا مُفَرَّقًا فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ كُلُّ قَاعِدَةٍ فِي بَابِهَا وَحَيْثُ تُبْنَى عَلَيْهَا فُرُوعُهَا . ثُمَّ أَوْجَدَ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَفْسِي أَنَّ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي كِتَابٍ وَزِيدَ فِي تَلْخِيصِهَا وَبَيَانِهَا وَالْكَشْفِ عَنْ أَسْرَارِهَا وَحُكْمِهَا لَكَانَ ذَلِكَ أَظْهَرَ لِبَهْجَتِهَا وَرَوْنَقِهَا ، وَتَكَيَّفَتْ نَفْسُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا بِهَا مُجْتَمِعَةً أَكْثَرَ مِمَّا إذَا رَآهَا مُفَرَّقَةً ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقِفْ إلَّا عَلَى الْيَسِيرِ مِنْهَا هُنَالِكَ لِعَدَمِ اسْتِيعَابِهِ لِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ ، وَأَيْنَمَا يَقِفُ عَلَى قَاعِدَةٍ ذَهَبَ عَنْ خَاطِرِهِ مَا قَبْلَهَا بِخِلَافِ اجْتِمَاعِهَا وَتَظَافُرِهَا ، فَوَضَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ لِلْقَوَاعِدِ خَاصَّةً وَزِدْتُ قَوَاعِدَ كَثِيرَةً لَيْسَتْ فِي الذَّخِيرَةِ وَزِدْتُ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي الذَّخِيرَةِ بَسْطًا وَإِيضَاحًا فَإِنِّي فِي الذَّخِيرَةِ رَغِبْتُ فِي كَثْرَةِ النَّقْلِ لِلْفُرُوعِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِكُتُبِ الْفُرُوعِ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ وَكَثْرَةِ الْبَسْطِ فِي الْمَبَاحِثِ وَالْقَوَاعِدِ فَيَخْرُجُ الْكِتَابُ إلَى حَدٍّ يَعْسَرُ عَلَى الطَّلَبَةِ تَحْصِيلُهُ أَمَّا هُنَا فَالْعُذْرُ زَائِلٌ وَالْمَانِعُ ذَاهِبٌ فَأَسْتَوْعِبُ مَا يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلْتُ مَبَادِئَ الْمَبَاحِثِ فِي الْقَوَاعِدِ بِذِكْرِ الْفُرُوقِ وَالسُّؤَالِ عَنْهَا بَيْنَ فَرَعَيْنَ أَوْ قَاعِدَتَيْنِ فَإِنْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ فَبَيَانُهُ بِذِكْرِ قَاعِدَةٍ أَوْ قَاعِدَتَيْنِ يَحْصُلُ بِهِمَا الْفَرْقُ . وَهُمَا الْمَقْصُودَتَانِ ، وَذِكْرُ الْفَرْقِ وَسِيلَةٌ لِتَحْصِيلِهِمَا وَإِنْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَالْمَقْصُودُ تَحْقِيقُهُمَا ، وَيَكُونُ تَحْقِيقُهُمَا بِالسُّؤَالِ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَوْلَى مِنْ تَحْقِيقِهِمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ضَمَّ الْقَاعِدَةِ إلَى مَا يُشَاكِلُهَا فِي الظَّاهِرِ وَيُضَادُّهَا فِي الْبَاطِنِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الضِّدَّ يُظْهِرُ حَسَنَةَ الضِّدِّ وَبِضِدِّهَا تَتَمَيَّزُ الْأَشْيَاءُ وَتَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا كِتَابٌ لِي سَمَّيْتُهُ كِتَابَ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْن الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ ذَكَرْتُ فِي هَذَا الْفَرْقِ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً جَامِعَةً لِأَسْرَارِ هَذِهِ الْفُرُوقِ وَهُوَ كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْإِعَادَةِ هُنَا فَمَنْ شَاءَ طَالَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فَهُوَ حَسَنٌ فِي بَابِهِ وَعَوَائِدُ الْفُضَلَاءِ وَضْعُ كُتُبِ الْفُرُوقِ بَيْنَ الْفُرُوعِ ، وَهَذَا فِي الْفُرُوقِ بَيْنَ الْقَوَاعِدِ وَتَلْخِيصِهَا فَلَهُ مِنْ الشَّرَفِ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ شَرَفُ الْأُصُولِ عَلَى الْفُرُوعِ وَسَمَّيْتُهُ لِذَلِكَ أَنْوَارَ الْبُرُوقِ فِي أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ وَلَكَ أَنْ تُسَمِّيَهُ كِتَابَ الْأَنْوَارِ وَالْأَنْوَاءِ أَوْ كِتَابَ الْأَنْوَارِ وَالْقَوَاعِدِ السَّنِيَّةِ فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ كُلُّ ذَلِكَ لَكَ وَجَمَعْتُ فِيهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ خَمْسَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ قَاعِدَةً أَوْضَحْتُ كُلَّ قَاعِدَةٍ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْفُرُوعِ حَتَّى يَزْدَادَ انْشِرَاحُ الْقَلْبِ لِغَيْرِهَا . ( فَائِدَةٌ ) سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِي الْفُضَلَاءَ يَقُولُ فَرَّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَ فَرَقَ بِالتَّخْفِيفِ وَفَرَّقَ بِالتَّشْدِيدِ الْأَوَّلُ فِي الْمَعَانِي وَالثَّانِي فِي الْأَجْسَامِ ، وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ أَنَّ كَثْرَةَ الْحُرُوفِ عِنْدَ الْعَرَبِ تَقْتَضِي كَثْرَةَ الْمَعْنَى أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ قُوَّتَهُ ، وَالْمَعَانِي لَطِيفَةٌ وَالْأَجْسَامُ كَثِيفَةٌ فَنَاسَبَهَا التَّشْدِيدُ وَنَاسَبَ الْمَعَانِيَ التَّخْفِيفُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافُ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ } فَخَفَّفَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ جِسْمٌ . وَقَالَ تَعَالَى { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } وَجَاءَ عَلَى الْقَاعِدَةِ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } وقَوْله تَعَالَى { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } وَ { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } وَلَا نَكَادُ نَسْمَعُ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَّا قَوْلَهُمْ مَا الْفَارِقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَلَا يَقُولُونَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالتَّشْدِيدِ ، وَمُقْتَضِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ اُفْرُقْ لِي بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا يَقُولُ فَرِّقْ لِي وَلَا بِأَيِّ شَيْءٍ تُفَرِّقُ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا يَقُولُونَهُ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ اسْمِ الْفَاعِلِ ، وَقَدْ آنَ الشُّرُوعُ فِي الْكِتَابِ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى عَلَى خُلُوصِ النِّيَّةِ وَحُصُولِ الْبُغْيَةِ وَأَسْأَلُهُ بِعَظِيمِ جَلَالِهِ وَكَمَالِ عَلَائِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ نَافِعًا لِي وَلِعِبَادِهِ ، وَأَنْ يُيَسِّرَ ذَلِكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
( الْفَرْقُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ) ابْتَدَأْتُ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ لِأَنِّي أَقَمْتُ أَطْلُبُهُ نَحْوَ ثَمَانِ سِنِينَ فَلَمْ أَظْفَرْ بِهِ ، وَأَسْأَلُ الْفُضَلَاءَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَبَرٌ فَيَقُولُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ فَأَقُولُ لَهُمْ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِيهَا فَرْعُ تَصَوُّرِهَا وَتَمْيِيزِهَا عَنْ الرِّوَايَةِ فَلَوْ عَرَفْتَ بِأَحْكَامِهَا وَآثَارِهَا الَّتِي لَا تُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ وَإِذَا وَقَعَتْ لَنَا حَادِثَةٌ غَيْرَ مَنْصُوصَةٍ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّهَا شَهَادَةٌ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهَا ذَلِكَ فَلَعَلَّهَا مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ لِتَمْيِيزِهِمَا ، وَكَذَلِكَ إذَا رَأَيْنَا الْخِلَافَ فِي إثْبَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِشَاهِدٍ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي تَصَانِيفِهِمْ مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ . وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِعَدَدِ مَا صَلَّى قَالُوا ذَلِكَ بِعَيْنِهِ ، وَأَجْرَوْا الْخِلَافَ فِيهِمَا لَمْ تُتَصَوَّرْ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَتَمَيُّزُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَنْ الْأُخْرَى لَا يُعْلَمُ اجْتِمَاعُ الشَّائِبَتَيْنِ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ ، وَلَا يُعْلَمُ أَيُّ الشَّائِبَتَيْنِ أَقْوَى حَتَّى يُرَجَّحَ مَذْهَبُ الْقَائِلِ بِتَرْجِيحِهَا ، وَلَعَلَّ أَحَدَ الْقَائِلِينَ لَيْسَ مُصِيبًا وَلَيْسَ فِي الْفُرُوعِ إلَّا إحْدَى الشَّائِبَتَيْنِ أَوْ أَحَدَ الشَّبَهَيْنِ وَالْآخَرُ مَنْفِيٌّ أَوْ الشَّبَهَانِ مَعًا مَنْفِيَّانِ ، وَالْقَوْلُ بِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْفُرُوعِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ صَوَابًا بَلْ يَكُونُ الْفَرْعُ مُخْرَجًا عَلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى غَيْرِ هَاتَيْنِ ، وَهَذَا جَمِيعُهُ إنَّمَا يَتَلَخَّصُ إذَا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ هُنَا اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى الشَّبَهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ إمَّا مَعَ الْجَهْلِ بِحَقِيقَتِهِمَا فَلَا يَتَأَتَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْفُرُوعُ مُظْلِمَةً مُلْتَبِسَةً عَلَيْنَا ، وَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ كَثِيرَ الْقَلَقِ وَالتَّشَوُّفِ إلَى مَعْرِفَتِهِ ذَلِكَ حَتَّى طَالَعْتُ شَرْحَ الْبُرْهَانِ لِلْمَازِرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَجَدْتُهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَحَقَّقَهَا وَمَيَّزَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُمَا ، وَاتَّجَهَ تَخْرِيجُ تِلْكَ الْفُرُوعِ اتِّجَاهًا حَسَنًا . وَظَهَرَ أَيُّ الشَّبَهَيْنِ أَقْوَى ، وَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَرْجَحُ ، وَأَمْكَنَنَا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا إذَا وَجَدْنَا خِلَافًا مَحْكِيًّا وَلَمْ يُذْكَرْ سَبَبُ الْخِلَافِ فِيهِ أَنْ نُخَرِّجَهُ عَلَى وُجُودِ الشَّبَهَيْنِ فِيهِ إنْ وَجَدْنَاهُمَا وَنَشْتَرِطَ مَا نَشْتَرِطُهُ وَنُسْقِطَ مَا نُسْقِطُهُ ، وَنَحْنُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ أَمْرًا عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَالشُّفْعَةُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ الشَّهَادَةُ الْمَحْضَةُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَحْضَةُ ثُمَّ تَجْتَمِعُ الشَّوَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ حِينَئِذٍ وَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ أَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ تُتَوَقَّعُ فِيهِ عَدَاوَةٌ بَاطِنِيَّةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ فَتَبْعَثُ الْعَدُوَّ عَلَى إلْزَامِ عَدُوِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ . فَاحْتَاطَ الشَّارِعُ لِذَلِكَ وَاشْتَرَطَ مَعَهُ آخَرَ إبْعَادًا لِهَذَا الِاحْتِمَالِ ، فَإِذَا اتَّفَقَا فِي الْمَقَالِ قَرُبَ الصِّدْقُ جِدًّا بِخِلَافِ الْوَاحِدِ وَيُنَاسِبُ أَيْضًا اشْتِرَاطَ الذُّكُورِيَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ إلْزَامَ الْمُعَيَّنِ سُلْطَانٌ وَغَلَبَةٌ وَقَهْرٌ وَاسْتِيلَاءٌ تَأْبَاهُ النُّفُوسُ الْأَبِيَّةُ وَتَمْنَعُهُ الْحَمِيَّةُ وَهُوَ مِنْ النِّسَاءِ أَشَدُّ نِكَايَةً لِنُقْصَانِهِنَّ فَإِنَّ اسْتِيلَاءَ النَّاقِصِ أَشَدُّ فِي ضَرَرِ الِاسْتِيلَاءِ فَخُفِّفَ ذَلِكَ عَنْ النُّفُوسِ بِدَفْعِ الْأُنُوثَةِ الثَّانِي أَنَّ النِّسَاءَ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُنَصَّبْنَ نَصْبًا عَامًّا فِي مَوَارِدِ الشَّهَادَاتِ لِئَلَّا يَعُمَّ ضَرَرُهُنَّ بِالنِّسْيَانِ وَالْغَلَطِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَامَّةَ تَتَأَسَّى فِيهَا النُّفُوسُ وَيَتَسَلَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَيَخِفُّ الْأَلَمُ وَتَقَعُ الْمُشَارَكَةُ غَالِبًا فِي الرِّوَايَةِ لِعُمُومِ التَّكْلِيفِ وَالْحَاجَةِ ، فَيُرْوَى مَعَ الْمَرْأَةِ غَيْرُهَا فَيَبْعُدُ احْتِمَالُ الْغَلَطِ وَيَطُولُ الزَّمَانُ فِي الْكَشْفِ عَنْ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيَظْهَرُ مَعَ طُولِ السِّنِينَ خَلَلٌ إنْ كَانَ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ تَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ زَمَانِهَا ، وَتُنْسَى بِذَهَابِ أَوَانِهَا فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى غَلَطِهَا وَنِسْيَانِهَا وَلَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ فِي عَدَاوَةِ جَمِيعِ الْخَلْقِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الِاسْتِظْهَارِ بِالْغَيْرِ فَيَكْفِي الْوَاحِدُ . وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلِأَنَّ النُّفُوسَ الْأَبِيَّةَ تَأْبَى قَهْرَهَا بِالْعَبِيدِ الْأَدْنَى ، وَيَخِفُّ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْأَحْرَارِ وَسَرَاةِ النَّاسِ ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ يُوجِبُ الضَّغَائِنَ وَالْأَحْقَادَ بِسَبَبِ مَا فَاتَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالِاسْتِقْلَالِ بِالْكَسْبِ وَالْمَنَافِعِ فَرُبَّمَا بَعَثَهُ ذَلِكَ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَإِذَايَتِهِ ، وَذَلِكَ لِلْخَلَائِقِ يُبْعِدُ الْقَصْدَ إلَيْهِ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ فَهَذَا تَحْقِيقُ الْبَابَيْنِ . وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الِاشْتِرَاطِ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ وَحِينَئِذٍ نَقُولُ الْخَبَرُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ رِوَايَةٌ مَحْضَةٌ كَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَشَهَادَةٌ مَحْضَةٌ كَإِخْبَارِ الشُّهُودِ عَنْ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُعَيَّنِينَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَمُرَكَّبٌ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَلَهُ صُوَرٌ أَحَدُهَا الْإِخْبَارُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَامٌّ عَلَى جَمِيعِ الْمِصْرِ أَوْ أَهْلِ الْآفَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ أَمْ لَا فَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ رِوَايَةٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِمُعَيَّنٍ وَعُمُومِ الْحُكْمِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْعَامِّ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَبِهَذَا الْقَرْنِ مِنْ النَّاسِ دُونَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ صَارَ فِيهِ خُصُوصٌ وَعَدَمُ عُمُومٍ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ . وَحَصَلَ الشَّبَهَانِ فَجَرَى الْخِلَافُ وَأَمْكَنَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، وَاتَّجَهَ الْفِقْهُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ فَإِنْ عَضَّدَ أَحَدَ الشَّبَهَيْنِ حَدِيثٌ أَوْ قِيَاسٌ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَثَانِيهَا الْقَائِفُ فِي إثْبَاتِ الْأَنْسَابِ بِالْخَلْقِ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ أَمْ لَا قَوْلَانِ لِحُصُولِ الشَّبَهَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ زَيْدًا ابْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ ابْنَ خَالِدٍ وَهُوَ حُكْمٌ جَرَى عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فَيُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَائِفَ مُنْتَصِبٌ انْتِصَابًا عَامًّا لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ فَيَكْفِي الْوَاحِدُ غَيْرَ أَنَّ شَبَهَ الشَّهَادَةِ هُنَا أَقْوَى لِلْقَضَاءِ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَتَوَقُّعِ الْعَدَاوَةِ وَالتُّهْمَةِ فِي الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ ، وَكَوْنُهُ مُنْتَصِبًا انْتِصَابًا عَامًّا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ مُنْتَصِبٌ لِكُلِّ مَنْ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَهَذَا الشَّبَهُ ضَعِيفٌ فَإِنْ قُلْت : الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ أَنَّ الْقَائِفَ يَخْتَصُّ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُمْ بَنُو مُدْلِجٍ فَيُنَصِّبُ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَدُخُولُ نَصْبِ الْحَاكِمِ لِذَلِكَ وَاجْتِهَادِهِ وَتَوَسُّطِ نَظَرِهِ يُبْعِدُ احْتِمَالَ الْعَدَاوَةِ وَيُخَفِّفُ الضَّغِينَةَ فِي قَلْبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّ مَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ أَدَّاهَا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَيَأْتِي مَنْ يُزَكِّيهِ وَيُنَفِّذُ الْحُكْمَ وَلَا يَتَوَسَّطُ نَظَرُ الْحَاكِمِ فَتَقْوَى دَاعِيَةُ الْعَدَاوَةِ وَتَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْ سَلْطَنَةِ الْمُخْبِرِ عَلَيْهَا بِالْإِلْزَامِ قُلْت هُوَ فَرْقٌ حَسَنٌ وَهُوَ الْمُسْتَنَدُ لِمُعْتَقِدِي تَرْجِيحَ شِبْهِ الرِّوَايَةِ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ قَدْ رَجَّحَ فِي النَّفْسِ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الْمُشْتَرَكِ دُونَهُ لِقُوَّتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَائِفَ قَدْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ نَصْبِ الْإِمَامِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ كَمَا { قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ } وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا أَنَّهُ نَصَّبَهُ لِذَلِكَ ، وَلَوْ وُجِدَ مِنْ النَّاسِ أَوْ مِنْ الْقَبَائِلِ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَنْ يُودِعُهُ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الْخَاصِّيَّةَ الَّتِي أَوْدَعَهَا فِي بَنِي مُدْلِجٍ قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا فَعَلِمْنَا أَنَّ عِنْدَ كَثْرَةِ الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ تَقْوَى شَائِبَةُ الشَّهَادَةِ ، وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ وَهَذَا التَّرْجِيحُ إنَّمَا تَمَكَّنَّا مِنْهُ عِنْدَ مَعْرِفَتِنَا بِحَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ هُمَا وَلَوْ لَمْ يَحْصُل كَلَامُ الْمَازِرِيِّ صَعُبَ عَلَيْنَا ذَلِكَ ، وَانْسَدَّ الْبَابُ وَانْحَسَمَ الْفِقْهُ وَرَجَعْنَا إلَى التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَثَالِثُهَا الْمُتَرْجِمُ لِلْفَتَاوَى وَالْخُطُوطِ . قَالَ مَالِكٌ : يَكْفِي الْوَاحِدُ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حُصُولُ الشَّبَهَيْنِ أَمَّا شَبَهُ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ نُصِبَ نَصْبًا عَامًّا لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَخْتَصُّ نَصْبُهُ بِمُعَيَّنٍ . وَأَمَّا شَبَهُ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ مُعَيَّنٍ مِنْ الْفَتَاوَى وَالْخُطُوطِ لَا يَتَعَدَّى إخْبَارُهُ ذَلِكَ الْخَطَّ الْمُعَيَّنَ أَوْ الْكَلَامَ الْمُعَيَّنَ وَيَأْتِي السُّؤَالُ بِالْفَارِقِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْبَحْثِ بِعَيْنِهِ فِي الْقَائِفِ ، وَرَابِعُهَا الْمُقَوِّمُ لِلسِّلَعِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَالسَّرِقَاتِ وَالْغُصُوبِ وَغَيْرِهَا . قَالَ مَالِكٌ يَكْفِي الْوَاحِدُ فِي التَّقْوِيمِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيَمِ حَدٌّ كَالسَّرِقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَرُوِيَ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حُصُولُ ثَلَاثَةِ أَشْبَاهٍ : شَبَهُ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَبَهُ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَوِّمَ مُتَصَدٍّ لِمَا لَا يَتَنَاهَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَرْجِمِ وَالْقَائِفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ كَذَلِكَ وَشَبَهُ الْحَاكِمِ لِأَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ فِي الْقِيمَةِ ، وَالْحَاكِمُ يُنَفِّذُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ شَبَهِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهِ حَدٌّ تَعَيَّنَ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا قُوَّةُ مَا يُفْضِي إلَيْهِ هَذَا الْإِخْبَارُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنْ إبَاحَةِ عُضْوِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهِ رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ ، وَخَامِسُهَا الْقَاسِمُ قَالَ مَالِكٌ يَكْفِي الْوَاحِدُ وَالْأَحْسَنُ اثْنَانِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ شَبَهُ الْحُكْمِ أَوْ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ وَالْأَظْهَرُ شَبَهُ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ اسْتَنَابَهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا وَسَادِسُهَا إذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِعَدَدِ مَا صَلَّى هَلْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَشَبَهُ الْحَاكِمِ هُنَا مُنْتَفٍ فَإِنَّ قَضَايَا الْحَاكِمِ لَا تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ بَلْ شَبَهُ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ . أَمَّا الرِّوَايَةُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ عَنْ إلْزَامِ حُكْمٍ لِمَخْلُوقٍ عَلَيْهِ بَلْ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَشْبَهَ إخْبَارَهُ عَنْ السُّنَنِ وَالشَّرَائِعِ ، وَأَمَّا شَبَهُ الشَّهَادَةِ فَلِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَسَابِعُهَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَ فِي الْمُخْبِرِ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ ، وَكَذَلِكَ الْخَارِصُ وَقَالَ مَالِكٌ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بَيْنَ اثْنَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاسِمِ ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَيُقَلَّدُ الْمُؤَذِّنُ الْوَاحِدُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَقْتِ ، وَكَذَلِكَ الْمَلَّاحُ وَمَنْ صِنَاعَتُهُ فِي الصَّحْرَاءِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْقِبْلَةِ إذَا كَانَ عَدْلًا يَغْلِبُ فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ شَبَهُ الرِّوَايَةِ أَمَّا الْمُخْبِرُ عَنْ النَّجَاسَةِ فَلِشَبَهِهِ بِالْمُفْتِي وَالْمُفْتِي لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ كَالرَّاوِي لِلسُّنَّةِ ، وَلِأَنَّهُ وَارِثٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْفِي وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ وَارِثُهُ فَالْمُخْبِرُ عَنْ النَّجَاسَةِ أَوْ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ مُبَلِّغٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ بَلْ عَنْ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حُكْمُ الَّذِي يَعُمُّ الْخَلَائِقَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالْمُخْبِرُ عَنْ النَّجَاسَةِ أَوْ الصَّلَاةِ مُخْبِرٌ عَنْ وُقُوعِ سَبَبٍ جُزْئِيٍّ فِي شَخْصٍ جُزْئِيٍّ . وَهَذَا شَبَهٌ شَدِيدٌ بِالشَّهَادَةِ أَمْكَنَ مُلَاحَظَتُهُ ، وَكَذَلِكَ الْخَارِصُ إنْ جُعِلَ حَاكِمًا يُتَّجَهُ لَا رَاوِيًا ، وَالْحَاكِمُ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِيهِ وَفِي السَّاعِي أَنَّ تَصَرُّفَهُمَا تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ ، وَالْقَاسِمُ أَيْضًا كَذَلِكَ إنْ اسْتَنَابَهُ الْحَاكِمُ فَشَائِبَةُ الْحَاكِمِ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ انْتَدَبَهُ الشَّرِيكَانِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ بَابِ التَّحْكِيمِ وَالْمُؤَذِّنُ مُخْبِرٌ عَنْ وُقُوعِ السَّبَبِ ، وَهُوَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا أَسْبَابُهَا فَأَشْبَهَ الْمُخْبِرَ عَنْ وُقُوعِ سَبَبِ الْمِلْكِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَارَقَ الْمُفْتِيَ . وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ إلَّا اثْنَانِ ، وَيَغْلِبُ شَائِبَةُ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ سَبَبٍ جُزْئِيٍّ فِي وَقْتٍ جُزْئِيٍّ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَرَهُ مُشْتَرَطًا وَهُوَ حُجَّةٌ حَسَنَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ بِالْوَاحِدِ فَإِنَّهَا إخْبَارٌ عَنْ سَبَبٍ جُزْئِيٍّ فِي وَقْتٍ جُزْئِيٍّ يَعُمَّانِ أَهْلَ الْبَلَدِ ، وَالْأَذَانُ لَا يَعُمُّ أَهْلَ الْأَقْطَارِ بَلْ لِكُلِّ قَوْمٍ زَوَالُهُمْ وَفَجْرُهُمْ وَغُرُوبُهُمْ وَهُوَ أَوْلَى بِاعْتِبَارِ شَائِبَةِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَمَّمَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتَهُمْ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ فَالْمُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ أَشْبَهُ بِالرِّوَايَةِ مِنْ الْمُؤَذِّنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ الْوَاحِدُ قِيَاسًا عَلَى الْمُؤَذِّنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِتَوَفُّرِ الْعُمُومِ فِي الْهِلَالِ ، وَهُنَا سُؤَالَانِ مُشْكِلَانِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ أَحَدُهُمَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ وَبَيْنَ الْمُخْبِرِ عَنْ هِلَالِ رَمَضَانَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَثَانِيهِمَا حُصُولُ الْإِجْمَاعِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِأَقْطَارِهَا بِخِلَافِ الْأَهِلَّةِ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْطَارِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الشَّأْنِ فَقَدْ يَطْلُعُ الْهِلَالُ فِي بَلَدٍ دُونَ غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ عَنْ الْمَشْرِقِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ فَإِنَّ الْبَلَدَ الْأَقْرَبَ إلَى الْمَشْرِقِ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ لَا يُرَى فِيهِ الْهِلَالُ وَيُرَى فِي الْبَلَدِ الْغَرْبِيِّ بِسَبَبِ مَزِيدِ السَّيْرِ الْمُوجِبِ لِتَخَلُّصِ الْهِلَالِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ فَقَدْ لَا يَتَخَلَّصُ فِي الْبَلَدِ الشَّرْقِيِّ فَإِذَا كَثُرَ سَيْرُهُ ، وَوَصَلَ إلَى الْآفَاقِ الْغَرْبِيَّةِ تَخَلَّصَ فِيهِ فَيُرَى الْهِلَالُ فِي الْمَغْرِبِ دُونَ الْمَشْرِقِ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ هَذَا الْعِلْمِ وَلِهَذَا مَا مِنْ زَوَالٍ لِقَوْمٍ إلَّا وَهُوَ غُرُوبٌ لِقَوْمٍ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ عِنْدَ قَوْمٍ وَنِصْفُ اللَّيْلِ عِنْدَ قَوْمٍ ، وَكُلُّ دَرَجَةٍ تَكُونُ الشَّمْسُ فِيهَا فَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِأَقْطَارٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِذَا قَاسَتْ الشَّافِعِيَّةُ الْهِلَالَ عَلَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ اُتُّجِهَ الْقِيَاسُ وَعَسِرَ الْفَرْقُ وَهُوَ مُشْكِلٌ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ وَهِلَالُهُمْ كَمَا يُعْتَبَرُ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرُهُمْ وَزَوَالُهُمْ فَإِنْ قُلْتَ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَعَانِيَ الْكُلِّيَّةَ قَدْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا بَعْضُ أَفْرَادِهَا بِالسَّمْعِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا } فَاشْتَرَطَ عَدْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ وَمَعَ تَصْرِيحِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِاشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ لَا يَلْزَمُنَا بِالْعَدْلِ الْوَاحِدِ شَيْءٌ وَلَا يُسْمَعُ الِاسْتِدْلَال بِالْمُنَاسَبَاتِ فِي إبْطَالِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْأَذَانَ عُدِلَ بِهِ عَنْ صِيغَةِ الْخَبَرِ إلَى صِفَةِ الْعَلَامَةِ عَلَى الْوَقْتِ . وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَقُولُ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَلْ يَقُولُ كَلِمَاتٍ أُخَرَ جَعَلَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَامَةً وَدَلِيلًا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ ، فَأَشْبَهَتْ مَيْلَ الظِّلِّ وَزِيَادَتِهِ مِنْ دَلَالَتِهِمَا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ فَكَمَا لَا يُشْتَرَطُ مَيَلَانٌ فِي الظِّلِّ وَلَا زِيَادَتَانِ لَا يُشْتَرَطُ عَدْلَانِ وَلَا مُؤَذِّنَانِ وَكَذَلِكَ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ آلَاتِ الْأَوْقَاتِ تَكْفِي ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّهُ يُشْتَرَطُ أَسْطُرْلَابَانِ وَلَا مِيزَانَانِ لِلشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ مُفِيدَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْأَذَانُ يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ قُلْت هَذَا بَحْثٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ لَا بِمَنْطُوقِهِ فَإِنَّ مَنْطُوقَهُ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ يَجِبُ عِنْدَهُمَا ، وَمَفْهُومَهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَكْفِي مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَإِذَا كَانَ الِاسْتِدْلَال بِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ فَنَقُولُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْطُوقِ اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْمَفْهُومِ قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ وَغَيْرَهُ يَقُولُ الْمَفْهُومُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا . وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا فَلَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ يُشْكِلُ بِمَا إذَا قَالَ لَنَا الْمُؤَذِّنُ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنَّا نُقَلِّدُهُ وَهُوَ خَبَرٌ صِرْفٌ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَذَانِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَعْنَاهُ أَقْبِلُوا إلَيْهَا فَهُوَ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ . وَأَمَّا الْمُخْبِرُ بِالْقِبْلَةِ فَلَيْسَ مُخْبِرًا عَنْ وُقُوعِ سَبَبٍ بَلْ عَنْ حُكْمٍ مُتَأَبَّدٍ فَإِنَّ نَصْبَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ قِيَامًا لِلنَّاسِ أَمْرٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ لَا يَخْتَلِفُ بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ لَا يُتَعَدَّى حُكْمُهُ وَإِخْبَارُهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَالْمُخْبِرُ عَنْ الْقِبْلَةِ أَشْبَهُ بِالرِّوَايَةِ مِنْ الْمُؤَذِّنِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْفُرُوقَ وَهَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ فَهِيَ حَسَنَةٌ ، وَكُلُّهَا إنَّمَا ظَهَرَتْ بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ فَلَوْ خَفِيَتَا ذَهَبَتْ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ جُمْلَتُهَا وَلَمْ يَظْهَرْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنْهَا لِلْقَوَاعِدِ وَالْبَعِيدِ وَثَامِنُهَا الْمُخْبِرُ عَنْ قِدَمِ الْعَيْبِ أَوْ حُدُوثِهِ فِي السِّلَعِ عِنْدَ التَّحَاكُمِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَ فِيهِ أَنَّهُ شَهَادَةٌ ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ جُزْئِيٌّ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، وَأَنَّهُ مُتَّجَهٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يُعَكِّرُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُسْلِمُونَ قُبِلَ فِيهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ وَنَحْوِهِمْ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُ قَالُوا لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَهُ الْخَبَرُ فِيمَا يَنْفَرِدُونَ بِعِلْمِهِ . وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْكُفَّارَ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى أُصُولِنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَكَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الرِّوَايَةِ فَكَيْفَ يُصَرِّحُونَ بِالشَّهَادَةِ مَعَ قَبُولِ الْكَفَرَةِ فِيهَا ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ هَذَا أَمْرٌ يَنْفَرِدُونَ بِعِلْمِهِ لَا عُذْرَ فِيهِ حَاصِلٌ فَإِنَّ كُلَّ شَاهِدٍ إنَّمَا يُخْبِرُ عَمَّا عَلِمَهُ مَعَ إمْكَانِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ مَعَ إمْكَانِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَمَا أَدْرِي وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ قَبُولِ قَوْلِهِمْ وَبَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ أَنَّ كُلَّ شَاهِدٍ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ ، وَتَاسِعُهَا قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّبِيِّ وَالْأُنْثَى وَالْكَافِرِ الْوَاحِدِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالِاسْتِئْذَانِ مَعَ أَنَّهُ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ فِي الْهَدِيَّةِ وَالْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ ، وَوَقَعَ هَذَا الْفَرْعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَخَرَّجُوهُ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَيْسَ هَذِهِ الْإِخْبَارَاتِ بِمُجَرَّدِهَا بَلْ هِيَ مَعَ مَا يَحْتَفُّ بِهَا مِنْ الْقَرَائِنِ ، وَلَرُبَّمَا وَصَلَتْ إلَى حَدِّ الْقَطْعِ وَهَذِهِ إشَارَةٌ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ غَيْرَ أَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ مِنْهَا لِوُجُودِ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَنُوبُ مَنَابَ الْعُدُولِ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى فِي ذَلِكَ ، وَدَعْوَى الضَّرُورَةِ إلَيْهِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُنَا لَا يَدْخُلُ بَيْتَ صَدِيقِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِعَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ لَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا يَبْعَثُ بِهَدِيَّتِهِ إلَّا مَعَ عَدْلَيْنِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَلَا غَرْوَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْقَوَاعِدِ لِأَجْلِ الضَّرُورَاتِ ، وَعَاشِرُهَا نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ لَهُ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا لَيْلَةَ الْعُرْسِ مَعَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ تَعْيِينٍ مُبَاحٍ جُزْئِيٍّ لِجُزْئِيٍّ . وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُقْبَلَ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ الَّتِي لَا يُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ إلَّا لِضَرُورَةٍ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ اجْتَمَعَ فِيهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ وَنُدْرَةِ التَّدْلِيسِ وَالْغَلَطِ فِي مِثْلِ هَذَا مَعَ شُهْرَتِهِ وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ وَدَعْوَى ضَرُورَاتِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَالْهَدِيَّةِ ، فَهَذِهِ عَشْرُ مَسَائِلَ تُحَرِّرُ قَاعِدَتَيْ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ بِوُجُودِ أَشْبَاهِهِمَا فِيهَا ، وَتُؤَكِّدُ ذَلِكَ تَأَكُّدًا وَاضِحًا فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ تَخْرِيجُ جَمِيعِ فُرُوعِ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَيْهِمَا ، وَمَعْرِفَةُ الْفَرْعِ الْقَرِيبِ مِنْ الْقَاعِدَةِ مِنْ الْبَعِيدِ عَنْهَا وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ الْعَشْرِ خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ .
( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ مَالِكٌ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَصَّابِ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا وَمَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ بَلْ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ فَإِذَا قَالَ الْكَافِرُ هَذَا مَالِي أَوْ هَذَا الْعَبْدُ رَقِيقٌ لِي صُدِّقَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ هَذِهِ ذَكِيَّةٌ فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ فِيهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَيَّ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقَرِّرَةِ لِلْمِلْكِ مِنْ الْإِرْثِ وَالِاكْتِسَابِ بِالصِّنَاعَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ إذْ كُلُّ أَحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِمَّا هُوَ تَحْتَ يَدِهِ فِي أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ أَوْ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْوِي لَنَا دِينًا وَلَا يَشْهَدُ عِنْدَنَا فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ التَّأْمِينِ الْمُطْلَقِ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَالَ هَذَا مِلْكِي أَوْ هَذِهِ أَمَتِي لَمْ نَعُدَّهُ رَاوِيًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، وَإِلَّا لَاشْتَرَطْنَا فِيهِ الْعَدَالَةَ وَلَا شَاهِدًا بَلْ نَقْبَلُهُ مِنْهُ . وَإِنْ كَانَ أَفْسَقَ النَّاسِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْفُرُوعِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ مَا قَرَّرْتَهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِجُزْئِيٍّ ، وَالرِّوَايَةَ حَقِيقَتُهَا التَّعَلُّقُ بِكُلِّيٍّ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ أَمَّا الشَّهَادَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِمَاعِ شَبَهِ الرِّوَايَةِ مَعَهَا فَقَدْ تَقَعُ فِي الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ كَالشَّهَادَةِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالنَّسَبِ الْمُتَفَرِّعِ بَيْنَ الْأَنْسَابِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَكَوْنُ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا يَنْبَنِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الصُّلْحِ أَوْ أَحْكَامُ الْعَنْوَةِ مِنْ كَوْنِهَا طَلْقًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ وَقْفًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ كَمَا اخْتَصَّتْ الشَّهَادَةُ بِجُزْئِيٍّ ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . وَإِذَا وَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ لَمْ تَكُنْ نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا إلَى الْجُزْئِيِّ أَوْ الْكُلِّيِّ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ فَتَفْسُدُ الضَّوَابِطُ وَيَعُودُ اللَّبْسُ وَالسُّؤَالُ كَمَا تَقَدَّمَ قُلْت أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ فُرُوعِ الشَّهَادَةِ فَالْعُمُومُ فِيهَا إنَّمَا جَاءَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ وَالتَّبَعِ وَمَقْصُودُهَا الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ جُزْئِيٌّ أَمَّا الْوَقْفُ فَالْمَقْصُودُ بِالشَّهَادَةِ فِيهِ الْوَاقِفُ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ يُنْتَزَعُ مِنْهُ مَالٌ مُعَيَّنٌ فَكَانَ ذَلِكَ شَهَادَةً ثُمَّ اُتُّفِقَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ عُمُومٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْوَقْفَ قَدْ يَكُونُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ زَيْدٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِغَيْرِهِ فَالْعُمُومُ أَمْرٌ عَارِضٌ لَيْسَ مُتَقَرِّرًا شَرْعًا فِي أَصْلِ هَذَا الْحُكْمِ . وَأَمَّا النَّسَبُ فَالْمَقْصُودُ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْإِلْحَاقُ بِالشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ أَوْ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ تَفَرُّعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْمَقْصُودِ بِالشَّهَادَةِ كَمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا وَقَعَتْ بِأَنَّ هَذَا رَقِيقٌ لِزَيْدٍ قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَإِنْ تَبِعَ ذَلِكَ لُزُومَ الْقِيمَةِ لِمَنْ قَتَلَهُ دُونَ الدِّيَةِ وَسُقُوطِ الْعِبَادَاتِ عَنْهُ وَاسْتِحْقَاقِ إكْسَابِهِ لِلسَّيِّدِ مَعَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَمْ يَقْصِدْ سُقُوطَ الْعِبَادَاتِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ سُقُوطُ الْعِبَادَاتِ مِمَّا تَدْخُلُ فِيهِ الشَّهَادَاتُ فَضْلًا عَنْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِتَزْوِيجِ زَيْدٍ الْمَرْأَةَ الْمُعَيَّنَةَ شَهَادَةٌ بِحُكْمٍ جُزْئِيٍّ عَلَى الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا الْمَشْهُودِ لَهُ وَهُوَ جُزْئِيٌّ ، وَإِنْ تَبِعَ ذَلِكَ تَحْرِيمُهَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِبَاحَةُ وَطْئِهَا لَهُ مَعَ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ شَأْنُهُمَا الرِّوَايَةُ دُونَ الشَّهَادَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ فَقَدْ يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ مَا لَا يَثْبُتُ مُتَأَصِّلًا فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي الضَّوَابِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ، وَأَمَّا كَوْنُ الْأَرْضِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا فَهَذَا لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نَقْلًا فِيمَا أَظُنُّ . وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ يَكْفِي فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ ، وَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ لِخُصُوصِ الْمَحْكُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَرْضُ فَإِنَّهَا جُزْئِيَّةٌ لَا يَتَعَدَّاهَا الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهَا فَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهِمَا الشَّبَهَانِ ، وَأَمْكَنَ التَّرَدُّدُ وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّقُوضِ عَلَى الرِّوَايَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهَا وَالْجَوَابُ عَنْهَا .
( مَسْأَلَةٌ ) : أَخْبَرَنِي بَعْضُ شُيُوخِي الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّهُ رَأَى مَنْقُولًا أَنَّهُ إذَا رَوَى الْعَدْلُ الْعَبْدُ حَدِيثًا يَتَضَمَّنُ عِتْقَهُ أَنَّهُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ فِيهِ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ نَفْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ مُوجِبٌ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ فِي الْخُصُوصِ مَعَ وَازِعِ الْعَدَالَةِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ بَعِيدٌ عَنْ التُّهَمِ جِدًّا ، وَأَنَّهُ سَبَبُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ
( مَسْأَلَةٌ ) : قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الشَّهَادَةِ يُقْبَلُ التَّرْجِيحُ بِالْعَدَالَةِ وَهَلْ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْ فِي أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ لَا يُقْضَى بِذَلِكَ مُطْلَقًا ثَلَاثُ أَقْوَالٍ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُكُومَاتِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِدَرْءِ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ التَّظَالُمِ وَالْمُنَازَعَاتِ ، فَلَوْ رَجَّحْنَا بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لَأَمْكَنَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَزِيدُ فِي عَدَدِ بَيِّنَتِي فَنُمْهِلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِعَدَدٍ آخَرَ فَإِذَا أَتَى بِهِ قَالَ خَصْمُهُ : أَنَا أَزِيدُ فِي الْعَدَدِ الْأَوَّلِ فَنُمْهِلُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِعَدَدٍ آخَرَ أَيْضًا فَيَطُولُ النِّزَاعُ ، وَيَنْتَشِرُ الشَّغَبُ وَيَبْطُلُ مَقْصُودُ الْحُكْمِ . أَمَّا التَّرْجِيحُ بِالْأَعْدَلِيَّةِ فَلَا يُمَكِّنُ الْخَصْمَ أَنْ يَسْعَى فِي أَنْ تَصِيرَ بَيِّنَتُهُ أَعْدَلَ مِنْ بَيِّنَةِ خَصْمِهِ بِالدِّيَانَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضِيلَةِ فَلَا تَنْتَشِرُ الْخُصُومَاتُ وَلَا يَطُولُ زَمَانُهَا لِانْسِدَادِ الْبَابِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلَيْسَ بَابُهُ مُنْسَدًّا فَيَقْدَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَلَوْ بِالزُّورِ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ، وَالْأَعْدَلِيَّةُ لَا تُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ الْحَاكِمِ فَلَا تَسَلُّطَ لِلْخَصْمِ عَلَى زِيَادَتِهَا فَانْسَدَّ الْبَابُ . ( فَائِدَةٌ ) : الشَّهَادَةُ خَبَرٌ وَالرِّوَايَةُ خَبَرٌ وَالدَّعْوَى خَبَرٌ وَالْإِقْرَارُ خَبَرٌ وَالنَّتِيجَةُ خَبَرٌ وَالْمُقَدِّمَةُ خَبَرٌ وَالتَّصْدِيقُ خَبَرٌ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ تَتَمَيَّزُ مَعَ اشْتِرَاكِهَا كُلِّهَا فِي مُطْلَقِ الْخَبَرِيَّةِ . وَالْجَوَابُ أَمَّا الشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا ، وَإِمَّا الدَّعْوَى فَهِيَ خَبَرٌ عَنْ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُخْبِرِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَالْإِقْرَارُ خَبَرٌ عَنْ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُخْبِرِ وَيَضُرُّ بِهِ وَحْدَهُ عَكْسُ الدَّعْوَى الضَّارَّةِ لِغَيْرِهِ . وَلِذَلِكَ أَنَّ الْإِقْرَارَ مَتَى أَضَرَّ بِغَيْرِ الْمُخْبِرِ أَسْقَطْنَا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ كَإِقْرَارِهِ بِأَنَّ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ حُرَّانِ ، وَيُسَمَّى الْإِقْرَارُ الْمُرَكَّبُ وَالنَّتِيجَةُ هِيَ خَبَرٌ نَشَأَ عَنْ دَلِيلٍ ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ يُسَمَّى مَطْلُوبًا وَالْمُقَدِّمَةُ هِيَ خَبَرٌ هُوَ جُزْءُ دَلِيلٍ وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْقَدَرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا يُسَمَّى بِأَحْسَنِ عَارِضَيْهِ لَفْظًا ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِقَائِلِهِ صَدَقْتَ أَوْ كَذَبْتَ فَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى تَكْذِيبًا غَيْرَ أَنَّهُ سُمِّيَ بِأَحْسَنِ عَارِضَيْهِ لَفْظًا ( فَائِدَةٌ ) : مَعْنَى شَهِدَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُتَبَايِنَةٌ شَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ وَمِنْهُ شَهِدَ بَدْرًا أَوْ شَهِدْنَا صَلَاةَ الْعِيدِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } قَالَ مَعْنَاهُ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمِصْرَ فِي الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ ، أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فِي الْمِصْرِ فَلْيَصُمْهُ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَا يَلْزَمُ الْمُسَافِرَ فَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ الْحَاضِرُ الْمُقِيمُ فَهَذَا أَحَدُ مُسَمَّيَاتِ شَهِدَ ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي شَهِدَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَمِنْهُ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْ أَخْبَرَ بِمَا يَعْتَقِدُ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ شَهِدَ بِمَعْنَى عَلِمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أَيْ عَلِيمٌ وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عِبَادَهُ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ مَعَانِي شَهِدَ . ( فَائِدَةٌ ) : مَعْنَى رَوَى حَمَلَ وَتَحَمَّلَ فَرَاوِي الْحَدِيثِ تَحَمَّلَهُ وَحَمَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّ إطْلَاقَ الرَّاوِيَةِ عَلَى الْمَزَادَةِ الَّتِي يُحْمَلُ فِيهَا الْمَاءُ عَلَى الْجَمَلِ مَجَازٌ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَةَ بِنَاءً مُبَالَغَةٌ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْحَمْلُ وَاَلَّذِي يَحْمِلُ وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْحَمْلُ إنَّمَا هُوَ الْجَمَلُ فَهَذَا الِاسْمُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ حَقِيقَةً وَلُغَةً الْجَمَلُ ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَزَادَةِ مَجَازٌ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْمُجَاوَرَةِ لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَمَلِ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ أَرْوَى الرُّبَاعِيِّ حَتَّى يَسْتَحِقَّهُ الْمَاءُ دُونَ الْجَمَلِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ مِنْهُ مَرْوَ لَا رَاوِيَةٌ ، وَإِنَّمَا يَأْتِي رَاوِيَةً مِنْ الثُّلَاثِيِّ فَهَذِهِ فَوَائِدُ لَفْظِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِلَفْظَيْ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ حَسُنَ ذِكْرُهَا بَعْدَ تَحْقِيقِ مَعْنَاهُمَا .
0-0-0-0-0-0-0
( الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ) اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دُعَاءٌ النَّدْبُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلِّقِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ خَمْسَةٌ : ( السَّبَب الْأَوَّلُ ) الْأَمَاكِنُ كَالدُّعَاءِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْحَمَّامَاتِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَمَوَاضِعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ كَالْحَانَاتِ وَنَحْوِهَا ، وَكَذَلِكَ الْأَسْوَاقُ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا وُقُوعُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ فِي أَحْسَنِ الْبِقَاعِ وَالْأَزْمَانِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى { نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ } ، فَإِنْ أَعْجَزَهُ الْخُلُوصُ مِنْ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الدُّعَاءُ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الدُّعَاءِ كَالصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الْمَكْرُوهَةِ . ( السَّبَبُ الثَّانِي ) لِلْكَرَاهَةِ الْهَيْئَاتُ كَالدُّعَاءِ مَعَ النُّعَاسِ وَفَرْطِ الشِّبَعِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي لَا تُنَاسَبُ التَّقَرُّبَ إلَى ذِي الْجَلَالِ ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الْكَمَالِ . ( السَّبَبُ الثَّالِثُ ) الْكَرَامَةُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِتَوَقُّعِ فَسَادِ الْقُلُوبِ وَحُصُولِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فَيَجْتَمِعُ لِهَذَا الْإِمَامِ التَّقَدُّمُ فِي الصَّلَاةِ وَشَرَفُ كَوْنِهِ نَصَّبَ نَفْسَهُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدِهِ بِالدُّعَاءِ ، وَيُوشِكُ أَنْ تَعْظُمَ نَفْسُهُ عِنْدَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ وَيَعْصِيَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيعُهُ وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِدَعَوَاتٍ فَقَالَ لَا إنِّي أَخْشَى أَنْ تَشْمَخَ حَتَّى تَصِلَ إلَى الثُّرَيَّا إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرْنَا وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْكِبْرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ لَهُ التَّرْكُ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ السَّلَامَةُ . ( السَّبَبُ الرَّابِعُ ) كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ مَكْرُوهًا فَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ لَا كَرَاهَةَ الْمَقَاصِدِ كَالدُّعَاءِ بِالْإِعَانَةِ عَلَى اكْتِسَابِ الرِّزْقِ بِالْحِجَامَةِ وَنُزُوِّ الدَّوَابِّ وَالْعَمَلِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِرَفِ الدَّنِيَّاتِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الدُّعَاءِ بِكُلِّ مَا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ . ( السَّبَبُ الْخَامِسُ ) لِلْكَرَاهَةِ عَدَمُ تَعْيِينِهِ قُرْبَةً بَلْ يُطْلَقُ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي الْكَلَامِ وَتَحْسِينِ اللَّفْظِ مِنْ الَّذِي يُلَابِسُهُ كَمَا يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ السَّمَاسِرَةِ فِي الْأَسْوَاقِ عِنْدَ افْتِتَاحِ النِّدَاءِ عَلَى السِّلَعِ كَقَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ . قَالَ مَالِكٌ كَمْ يَقُولُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ وَكَمَا يَقُولُ الْمُتَحَدِّثُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ مَا أَقْوَى فَرَسِ فُلَانٍ أَبْلَاهَا اللَّهُ بَدَنِيَّة أَوْ سُبْع وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَلَا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَتِهِ فَهَذَا كُلُّهُ مَكْرُوهٌ ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تَحْرِيمِهِ ، وَقَالَ كُلُّ مَا يُشْرَعُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّلَاعُبِ ، فَإِنْ قُلْت قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ نَحْوًا مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ ، وَمَنْصِبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَمِنْ ذَلِكَ { قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ } لَمَّا تَعَجَّبَتْ مِمَّا لَمْ تَعْلَمْ مِنْ كَوْنِ الْمَرْأَةِ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا أَرَادَ إذَايَتَهَا بِالدُّعَاءِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك } لَيْسَ مِنْ الْإِرْشَادِ مَا يَقْتَضِي قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الدُّعَاءُ لَا عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ وَالتَّقَرُّبِ وَهُوَ عَيْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ . قُلْت لَفْظُ الدُّعَاءِ إذَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُرْفِ فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ انْتَسَخَ مِنْهُ حُكْمُ الدُّعَاءِ وَلَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الدُّعَاءِ إلَّا بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ مُسْتَعْمِلٌ فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ عُرْفًا وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْصَرِفُ بِصَرَاحَتِهَا لِلدُّعَاءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ ...
وَهَاهُنَا انْتَهَى مَا جُمِعَ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْفُرُوقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14559555
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة