للتحميل. عنوان الكتاب:  الدر المصون في علم الكتاب المكنون. أوسع إعراب مطبوع للقرآن الكريم ، المؤلف  السمين الحلبي تلميذ أبي حيان الأندلسي الذي تفوّق على أستاذه 

هذه الطبعة مسروقة من طبعة دار القلم التي حققها الدكتور الخراط

****

رابط تحميل الكتاب

zip al-Dur-al-Masoun 23/11/2008,14:40 4.30 Mb

*****

 أول من حقق هذا الكتاب هو الدكتور الخراط، ونشرته دار القلم في دمشق
ثم قام اللصوص بسرقة جهود الدكتور الخراط، ونشروا الطبعة الثانية في بيروت
******
جريدة الحياة، صفحة المنوعات: واحة 17 رمضان المبارك، سنة 1426 هـ = 2005م. السمين الحلبي وإعراب القرآن الكريم. د. محمود السيد الدغيم

*****
واحة السابع عشر من رمضان المبارك
د. محمود السيد الدغيم
1
إعراب القرآن
تحدث حاجي خليفة في كتاب كشف الظنون عن علم إعراب القرآن، فقال:
"وهو من فروع علم التفسير على ما في مفتاح السعادة، لكنه في الحقيقة هو من علم النحو، وعدّه عِلماً مستقلاً ليس كما ينبغي، وكذا سائر ما ذكره السيوطي في الإتقان من الأنواع، فإنه عدَّ علوماً كما سبق في المقدمة، ثم ذكر ما يجب على المعرب مراعاته من الأمور التي ينبغي أن تجعل مقدمة لكتاب إعراب القرآن، ولكنه أراد تكثير العلوم والفوائد، وهذا النوع أفرده بالتصنيف جماعة منهم:

الإمام أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين/ 862م، وأبو مروان عبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومائتين/ 853م، وأبو العباس محمد بن يزيد المعروف بالمبرد النحوي، المتوفى سنة ست وثمانين ومائتين/ 899م، وأبو العباس أحمد بن يحيى، الشهير بثعلب النحوي، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائتين/ 904م، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن النحاس النحوي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة/ 949م، وأبو عبد الله حسين بن أحمد المعروف بابن خالويه النحوي، المتوفى سنة سبعين وثلاثمائة/ 980م. وكتابه في إعراب ثلاثين سورة من الطارق إلى آخر القرآن، والفاتحة بشرح أصول كل حرف، وتلخيص فروعه، والشيخ الإمام مكي بن أبي طالب القيسي النحوي المتوفى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة/ 1045م.. وكتابه في المشكل خاصة، وأبو طاهر إسماعيل بن خلف الصقلي النحوي، المتوفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة/ 1063م، وكتبه في تسع مجلدات، والشيخ أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، المتوفى سنة اثنتين وخمسمائة/ 1108م، في أربع مجلدات، وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي النحوي سنة اثنتين وستين وخمسمائة/ 1166م، وكتابه أوضحها، وهو في عشر مجلدات، والشيخ أبو البركات عبد الرحمن بن أبي سعيد محمد الأنباري النحوي، المتوفى سنة 577هـ/ 1181م، وسماه البيان، والإمام الحافظ، قوام السنة، أبو القاسم، إسماعيل بن محمد الأصفهاني، المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة/ 1141م،
وأبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي المتوفى سنة ست عشرة وستمائة/ 1219م، وكتابه أشهرها، وسماه التبيان. ومنجب الدين، حسين بن أبي العز الهمداني، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة/ 1245م، وكتابه تصنيف متوسط لا بأس به، والشيخ موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي الشافعي، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة/ 1232م، وكتابه في إعراب الفاتحة، والشيخ إسحاق بن محمود بن حمزة تلميذ بن الملك، جمع إعراب الجزء الأخير من القرآن،
وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد السفاقسي المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة/ 1342م، وكتابه أحسن منه، وهو في مجلدات، سماه المجيد في إعراب القرآن المجيد.. ذكر فيه البحر المحيط لشيخه أبي حيان، ومدحه، ثم قال: لكنه سلك سبيل المفسرين في الجمع بين التفسير والإعراب، فتفرق فيه المقصود، فاستخار في تلخيصه، وجمع ما بقي في كتاب أبي البقاء من إعرابه لكونه كتاباً قد عكف الناس عليه، فضمه إليه بعلامة "الميم"، وأورد ما كان له بكلمة "قلتُ" ولما كان كتاباً كبير الحجم في مجلدات لخصه الشيخ محمد بن سليمان الصرخدي الشافعي "وصرخد السورية في جبل الدروز تسمى حاليا صلخد" المتوفى سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة/ 1390م، واعترض عليه في مواضع. والشيخ أحمد بن محمد بن رمضان الرومي، القاضي الحنفي. الشهير بنشانجي زاده، المتوفى سنة ست وثمانين وتسعمائة/ 1578م، كتب إلى الأعراف، ومن الكتب المصنفة في إعراب القرآن، تحفة الأقران فيما قرئ بالتثليث من القرآن.

2
الدُّرُّ المصون

قال حاجي خليفة في كشف الظنون: وأما كتاب الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي المتوفى سنة ست وخمسين وسبعمائة/ 1355م، فهو ـ مع اشتماله على غيره ـ أجلُّ ما صُنِّفَ فيه لأنه جمع العلوم الخمسة: الإعراب، والتصريف، واللغة، والمعاني، والبيان، ولذلك قال السيوطي في الإتقان: "هو مشتمل على حشو وتطويل، لخصه السفاقسي فجوده. انتهى. وهو وهمٌ من السيوطي لأن السفاقسي ما لخص إعرابه منه، بل من البحر المحيط كما عرفت، والسمين لخصه أيضاً من البحر في حياة شيخه أبي حيان، وناقشه فيه كثيراً، وسماه الدر المصون في علم الكتاب المكنون، أوَّلُه: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الخ.. وفرغ عنه في أواسط رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة/ 1334م.
قلتُ: ومخطوطة السمين بخط يده موجودة في مكتبة السليمانية في إسطنبول، وقد حقق كتاب الدر المصون، الدكتور أحمد الخراط، ونشر دار القلم، بدمشق،الطبعة الأولى سنة 1411هـ/ 1990-1991م.

3
فائدة
يضيف حاجي خليفة في كشف الظنون: قال تقي الدين في طبقاته: "إن المولى الفاضل علي بن أمر الله، المعروف بابن الحنائي (قنالي زاده)، القاضي بالشام، حضر مرة درس الشيخ العلامة بدر الدين الغزي لما ختم في الجامع الأموي من التفسير الذي صنفه، وجري فيه بينهما أبحاث منها اعتراضات السمين على شيخه أبي حيان الأندلسي، فقال الشيخ: إن أكثرها غير وارد. وقال المولى علي: والذي في اعتقادي، إن أكثرها وارد وأصرَّا على ذلك، ثم أن المذكور كشف عن ترجمة السمين، فرأى أن الحافظ ابن حجر وافقه فيه حيث قال في الدرر: صنف في حياة شيخه، وناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيدة، فكتب إلى الشيخ أبياتاً يسأله أن يكتب ما عثر الشهاب من أبحاثه، فاستخرج عشرة منها، ورجّح فيها كلام أبي حيان، وزيف اعتراضات السمين عليها، وسماه بالدر الثمين في المناقشة بين أبي حيان والسمين، وأرسلها إلى القاضي، فلما وقف عليها انتصر للمسلمين، ورجح كلامه على كلام أبي حيان، وأجاب عن اعتراضات الشيخ بدر الدين، وردَّ كلامه في رسالة كبيرة، وقف عليها علماء الشام، ورجَّحوا كتابته على كتابة البدر، وأقروا له بالفضل والتقدم.

4
السمين الحلبي
تباينت الإشارت المرجعية لدى المؤلفين حول السمين الحلبي، وخلط بعضهم بينه وبين ابن السمين، فهذا الباباني يقول في هدية العارفين: "ابن السمين الحلبي: أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد، شهاب الدين، السمين الحلبي الشافعي، نزيل مصر، توفي سنة 756 ست وخمسين وسبعمائة / 1355م، له من التصانيف: الدر المصون في علم الكتاب المكنون في تفسير القرآن، شرح تسهيل الفوائد لابن مالك في النحو، العقد النضيد في شرح القصيد، أعني: حرز الأماني للشساطبي. عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ. القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، وغير ذلك".
ويكنى السمين بكنية شهاب الدين "أبو العباس" شأنه شأن الكثيرين من الذين يسمون باسم أحمد. والسمين الحلبي، مفسر، عالم بالعربية والقراءات. شافعي المذهب، وقد رحل من حلب إلى القدس والخليل والحجاز، واستقرَّ واشتهر في مدينة القاهرة.
وأخطأ الزركلي في كتاب الأعلام حينما قال من مؤلفاته: "شرح الشاطبية" في القراآت، قال ابن الجوزي: لم يُسبق الى مثله" وهذه مغالطة لأن الإمام ابن الجوزي توفى سنة 597هـ، واستشهد يوسف بن الجوزي سنة 656 هـ/ 1258م، ومات سبط ابن الجوزي سنة 654 هـ، فكيف علَّق هؤلاء على كتاب السمين بعد موتهم؟.

5
تزكية السمين
قال ابن حجر العسقلاني في كتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: "أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد الحلبي، شهاب الدين، المقري، النحوي، نزيل القاهرة، تعانى النحو، فمهر فيه، ولازم أبا حيان إلى أن فاق أقرانه، وأخذ القراءات عن التقي الصائغ، ومهر فيها، وسمع الحديث من يونس الدبوسي وغيره، ووُلّي تصدير القراءة بجامع ابن طولون، وأعاد بالشافعي، وناب في الحكم، وولّي الأوقاف، وله تفسير القرآن في عشرين مجلدة، رأيته بخطه. والإعراب سماه: الدر المصون في ثلاثة أسفار بخطه، صنّفه في حياة شيخه، وناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيدة، وجمع كتاباً في أحكام القرآن، وشرح التسهيل، والشاطبية، قال الأسنوي في الطبقات: كان فقيهاً بارعاً في النحو والقراآت، ويتكلم في الأصول، خيّراً أديباً. مات في جمادى الآخرة، وقيل في شعبان سنة 756/ 1355م.
وعزّز أقوال ابن حجر السيوطي في كتاب حسن المحاضرة في أخبار مصر و القاهرة، وأكد هذه المعلومات المقريزي في كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، وحدد يوم وفاته في عاشر جمادى الآخرة، وأضاف أنه وُلِّىَ نظر الأوقاف، وصنف تفسير القرآن فأطال فيه جداً حتى جاء في عشرين سفراً كباراً، وصنف إعراب القرآن، وشرح التسهيل والشاطبية. وكان فقيهاً بارعاً في النحو والتفسير وعلم القراءات، وتكلم في علم الأصول، وكان خيراً ديناً.


6
السمين بين التأييد والمعارضة
ذكر النجم الغزي ترجمة علي بن إسرافيل قِنَاْلِيْ زاده، في كتاب الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، فقال: علي بن إسرافيل الإمام العلامة الأوحد المفنن الفهامة، علي جلبي، قنالي زاده، أحد الموالي الرومية المشهورين بالعلم والفضيلة. اشتغل في العلم على جماعة، واتصل آخراً بخدمة ابن كمال باشا، ودرَّس بإحدى المدارس الثماني، وولي قضاء دمشق، فدخلها في غرة ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين بتقديم السين وتسعمائة/ 1563م، ولم يتأخر عن السلام عليه أحد إلا شيخ الإسلام الوالد لأنه انقطع عن التردد إلى القضاة وغيرهم، والشيخ علاء الدين بن عماد الدين، فإنه كان مريضاً مرض الموت، فبادر القاضي إلى زيارة الشيخ الوالد في بيته، وعيادة الشيخ علاء الدين، ومات الشيخ علاء الدين بعد أيام، فحضر جنازته، وترحم عليه، ثم قرأ على الشيخ الوالد في الحديث، وأخذ عنه، وكان بينهما مطارحات، وكان عالماً متبحراً يميل إلى الأدب والشعر، ولعله أحسن علماء الروم شعراً، وكان يعتقد الشيخ شهاب الدين الطيبي، وأخذ عنه، واستكتب بعض مؤلفاته، وبقي بدمشق قاضياً نحو أربع سنوات، ثم عزل عنها، وأعطي قضاء مصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وتسعمائة/ 1567م (بعد وفاة السلطان سليمان القانوني، وتسلطن الخليفة سليم الثاني)، ثم أعطي قضاء أدرنة التركية، ثم إسلام بول (إسطنبول)، ثم قضاء العسكريين (آناطولي والروملي)، ثم تقاعد عنه مقبلاً على مطالعة الكتب، والنظر في العلوم، وألف حاشية على حاشية حسن جلبي على شرح المواقف، وحاشية على حاشية شرح التحرير للسيد الشريف، وحاشية على شرح الدرر.
ومات (قنالي زادة) ابن الحنائي بعلة النقرس "داء الملوك" في سنة تسع وسبعين بتأخير السين في الأول، وتقديمها في الثاني وتسعمائة/ 1571م، رحمه الله تعالى.

ومن شعره ما أنشده شيخَ الإسلام الوالد بدر الدين الغزي:
أرى مِن صدغِك الْمِعوَّج دالاً
ولكن نُقِّطَتْ مِن مِسْك خالك
فأصبح دالُهُ بالنَّقطِ ذالاً
فها أنا هالكٌ مِن أجل ذلِك

فأنشده شيخ الإسلام الوالد الغزي:
إذا أصبحتَ مُهتماًّ بِمَالِكْ
وحالُكَ من صُروفِ الدَّهر حَالِكْ 
فلا يخطُرْ سِوى خير بِبالِكْ
لعلَّ الله يُحدِثُ بعد ذلِكْ

( جريدة الحياة: واحة الثامن عشر من رمضان المبارك
د.محمود السيد الدغيم)


7
بين الغزي وقنالي زاده
قال النجم الغزي: صار بين علي بن إسرافيل قنالي زاده وبين شيخ الإسلام الوالد بدر الدين الغزي مفاوضة في أبي حيان، وتلميذه السمين أيهما أمثل؟ فمال الشيخ الغزي إلى أبي حيان، وقال: إن كلامه أحسن وأجود، ومال الأفندي قنالي زاده إلى ضدِّ ذلك، ثم كتب بعد ذلك رُقعة إلى الشيخ يتلطَّف فيها، وذكر فيها ترجمة السمين من كلام شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في كتاب الدرر الكامنة بأعيان المائة الثامنة، وفيها قوله: إنه ناقش أبا حيان في إعرابه مناقشات غالبها جيد، وصدَّر الأفندي رُقعته بقوله:
يا سيداً قدرُهُ في العِلم مُشتهرُ
وهل رأى الناسُ قدراً غيرَ مُشتهرِ؟ 
يفوق فضلاً على أهل العلوم كما
يفوق بدرٌ جميعَ الأنجُم الزُّهرِ
بعثت قولَ إمامٍ كان صنعته
تبيان كعبةِ فضلٍ رافعِ الحجرِ
في ذِكْرِ ترجَمَةِ الشَّيْخِ السَّمينِ شِها // بِ الدِّينِ أورَدَها كَالنَّثْرِ فِي الدُّرَرِ
إنْ شِئتمُ، فانظرُوا، لا زال حَضرتكُمْ
مُؤيَّداً مِن إلهِ الناسِ بالنظَرِ

فأجاب الشيخ الوالد الغزي رحمه الله تعالى بقوله:

يا سيداً فاقَ أهلِ العصْرِ قاطِبَةً
في كُلِّ فنٍّ على المِقدارِ مُشتهرُ
ويا إماماً سَمَاْ فوْقَ الرُّؤُوْسِ عُلىً
قدْ وافقَ الخيرَ مِن عليائهِ الخَبَر
بعثتَ قولَ شهابٍ في الشِّهابِ لَهُ
نَعْتٌ بهِ طابتِ الأخبارُ والسِّيَرُ
جاءتْ مُناقشةً منهُ لِسَيِّدِهِ
إذْ لاحَ مِن فِكرهِ مَنْ لَفظهُ دُرَرُ
إنَّ الأثيرَ أبا حيانَ عُمْدَتُها
بهِ الأئمَّةُ في الآفاقِ تفتَخِرُ
والكُلُّ مُغترِفٌ مِنْ بَحرهِ نَهِلاً
فالبعضُ مُعترِفٌ والبعضُ مُتْنِكِرُ
ثُمَّ السَّمينُ سَمِينٌ مِن مَعارِفِهِ
لَيْسَ التغَيُّرُ يَعروهُ ولا الْغِيَرُ
وَليس ضَائِرُ كُلّ مَنْ يُنَاقِشُهُ
وَالبَحْرُ صافٍ، وقد يبدو به كَدَرُ
والشَّمْسُ والبدْرُ قد يعرُوْهُمَا فتَرٌ
والضوءُ والنورُ مِنْ هَذينِ مُنْتَشِرُ
يَكْفِيْهُما شَرَفاً مِنْكَ الثناءُ ومَنْ
مَولاهُ يوماً عَليٌّ فهو مُنتصِرُ
واخترت رَفْعَ رَوِيٍّ حَيْثُ ناسَبَهُ
عُلاكَ يا شَمْسَ فضْلٍ زَاْنَها خَفَرُ
فالرَّفعُ مِن جانبي حَتْماً لِجَانِبِكُمْ
وَخَفْضُ عَيْشِيَ مِنْ جَدواكَ مُنتظرُ 
فكتب إليه الأفندي قنالي زاده مجيباً وملتمساً:
نَظْمٌ مِنَ السَّيِّدِ الشَّيخِ الإمامِ أَتَىْ
كَالنَّجْمِ مُلْتَمِعاً، والدّرُّ مُنْتَشِراْ
عُلومُهُ لُجَّةٌ لا غُرْوَ إِنْ قذَفَتْ
مِنْ خَطِّهِ عَنبراً، من لفظِهِ دُرَرَاْ
كَمَالُهُ غيرُ مَحْصُورٍ، وَليسَ يرى
مَن يبتغي المدحَ إلاّ الْعِيَّ وَالْحصَرَا 
أفادَ حتماً بتفضيلِ الإمام أبي
حَيَّانَ أحْيَاهُ مَنْ أحيا الورَى وبَرَىْ
إنَّ الشِّهابَ دُخانٌ مُظلِمٌ فإذا
دَانى الأثيرَ غَدَا نَجْماً يُضِيْ وَيُرَىْ
يَرى الشِّهابَ إذا أهدى مُناقشةً
على الأثيرِ وفي إعرابهِ سطرَا
كَقَيِّمِ الباغِ قد يهدي لِسيِّدِهِ
برَسْمِ خِدمتهِ مِن باغِهِ الثَّمَرَا
لكِنْ عَلى الْحضرَةِ العُليا يُعرِّضُ إِذْ
أَمْرٌ على خاطِرِ الممَلوكِ قدْ خَطَرَا
إِنْ تَخْرُج الشَّمْسُ مِن أبحاثِهِ وعَلى
الإنْصَاْفِ يُلقِيْ عليه البَحْثَ وَالنظرَا 
عسى يُحَصِّلُ مِن تحقيقِ سَيِّدِنَا
فوائدَ تحتوي الأوضاعَ والْغُرَرا
ثم الروي تَفاءَلنا بِفَتْحَتِهِ
مَنًّا لَنَاْ وَلَكُمْ، والفتْحَ والظفرا

فكتب كل منهما رسالةً اختار فيها عشرةُ أبحاثٍ بين الشيخين، وسَّمى الوالد الغزي رسالته: العقد الثمين، في المناقشة بين أبي حيان والسمين، وكتب فيها أثني عشر بحثاً، ثم أرسلها إلى الأفندي قنالي زاده، وكتب إليه معها:
بَحْرٌ طَمَا وحَلا واستخرجَ الدُّرَرا
عقداً يرَصّفُ مَنظوماً ومُنتَثِرَا
وفاحَ عرْفُ جنانٍ أمطرتَ سَحَراً
منهُ فأنعَشَ قلباً كان مُستَعِرا
بنفحَةٍ منه أولى مِثْل ثانيةٍ
مِن نفخةِ الصُّورِ يُحْيِىْ خاطِراً فَتَرا 
والعبدُ يفخَرُ إنْ مَولاهُ كَاتَبَهُ
أدَّى الأمانةَ عنهُ واقْتَفَىْ أثَرَا
وَالْعَبْدُ مُمْتَثِلٌ مَرسوم سَيِّدِهِ
في جَمْعِ عشرَةِ أبحاثٍ لهُ سَطَرَا
مِمَّا أثارَتْهُ أفكارُ الأثيرِ وقدْ
بَثَّ الشِّهابُ مِن أقداحِهِ شَرَرا
وأنتَ حاكِمُهَا الْتُرْضِيْ حُكُوْمَتُهُ
وَإنما العَدْلُ والإنصافُ مِنْهُ يُرَى
وأنتَ حاكمُ هذا الْعَصْرِ سَيِّدُهُ
فاحكُمْ بفِكرِكَ في الْعَصْرِ الذي غَبَرَا 
فبَحْرُ فضْلِكَ لا تُحْصَى عَجَائِبُهُ
ورَوْضُ فكرِكَ يُؤتي الزَّهرَ والثَّمَرَا
لا زلتَ قدرك مرفوعاً، وقولكَ
مَتبوعاً، وحلمكَ مَسموعاً عَلا الْكِبَرَا
ودُمْتَ في دولَةٍ ذُرْوِيَّةٍ أبَداً
ما غابَ كوكبُ أُفْقٍ أوْ بَدا سَحَرا

8
مؤلفات السمين الحلبي
رفد السمين الحلبي مكتبة التراث العربي الإسلامي بكتب قيِّمة صاع بعضها، ووصلتنا مخطوطات البعض الآخر، ونشرت بعض كتبه، ومازال بعضها مخطوطاً لم ينشر بعد رغم أهميته العلمية والدينية، ومن كتبه المطبوعة: عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، ذكره ابن الحنبلي في شرح الشفاء، وقد حققته على عشر مخطوطات موجودة في مكتبات التراث في تركيا، ونشرته دار السيد في إسطنبول سنة 1407 هـ/ 1978م، وهو صورة طبق الأصل عن مخطوطة مكتبة نور عثمانية في إسطنبول، وقد أضيفت التعليقات على هوامش المخطوطة، ويقع في 656 صفحة من القطع الموسوعي الكبير.

******

 لقراءة المزيد

اضغط هنا


*****

الدر المصون في علم الكتاب المكنون
السمين الحلبي

سورة الفاتحة
* {بسم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}

مصدر بَسْمَلَ، أي قال: بسم الله، نحو: حَوْقَلَ وهيْكَلَ وحَمْدَلَ، أي: قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، والحمد لله. وهذا شبيه بباب النحت في النسب، أي أنهم يأخذون اسمَيْن فَيَنْحِتون منهما لفظاً واحداً، فينسِبون إليه كقولهم: حَضْرَميّ وعَبْقَسيّ وعَبْشَميّ نسبةً إلى حَضْرَمَوْت وعبدِ القَيْس وعبدِ شمس. قال:
وتضحَكُ مني شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّة * كَأنْ لم تَرَيْ قبلي أسيراً يَمانياً
وهو غيرُ مقيس، فلا جرم أن بعضهم قال في: بَسْمل وهَيْلل إنها لغة مُوَلَّدَة [قال الماوردي: يقال لمَنْ قال: بسم الله: مُبَسْمِل وهي] لغةٌ مُولَّدة وقد جاءَتْ في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة:
7- لقد بَسْمَلَت ليلى غداةَ لقِيتُها * إلا حبَّذا ذاكَ الحديثُ المُبَسْمِلُ
وغيرُه من أهلِ اللغةِ نَقَلها ولَم يقُلْ إنها مُوَلَّدَة كـ ثعلب والمطرِّز.
(1/1)
________________________________________
وبِسْم: جارٌّ ومجرور، والباء هنا للاستعانة كعَمِلت وبالقَدُوم، لأنَّ المعنى: أقرأ مستعيناً بالله، ولها معانٍ، أُخَرُ تقدَّم الوعدُ بذكرها، وهي: الإلصاقُ حقيقةً أو مجازاً، نحو: مَسَحْتُ برأسي، مررْتُ بزيدٍ، والسببية: [نحو] {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ} أي بسببِ ظلمهم، والمصاحبة نحو: خرج زيدٌ بثيابه، أي مصاحباً لها، والبدلُ كقوله عليه السلام: "ما يَسُرُّنِي بها حُمْرُ النَّعَم" أي بدلها، وكقول الآخر:
8- فليتَ لي بِهِمُ قوماً إذا ركبوا * شَنُّوا الإغارةَ فرساناً ورُكْبانا
أي: بَدَلَهم، والقسم: أحلفُ باللهِ لأفعلنَّ، والظرفية نحو: زيد بمكة أي فيها، والتعدية نحو: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} التبعيض كقول الشاعر:
9- شَرِبْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعَتْ * متى لُجَجٍ خُضْرٍ لهنَّ نَئيجُ
أي من مائة، والمقابلة: "اشتريتهُ بألف" أي: قابلتُه بهذا الثمنِ، والمجاوزة مثلُ قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ} أي عن الغمام، ومنهم مَنْ قال: لا تكون إلا مع السؤال خاصة نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً} أي عنه، وقول علقمة:
10- فإنْ تَسْألوني بالنساءِ فإنني * خبيرٌ بأَدْواءِ النساء طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالُه * فليس له في زُدِّهِنَّ نَصيبُ
والاستعلاء كقوله تعالى: {مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} والجمهورُ يأبَوْن جَعْلها إلا للإلصاق أو التعديةِ، ويَرُدُّون جميعَ المواضعِ المذكورةِ إليهما، وليس هذا موضع استدلال وانفصال.

وقد تُزاد مطَّردةً وغيرَ مطَّردة، فالمطَّردةُ في فاعل "كفى" نحو: "كفى بالله": أي: كفى اللهُ، بدليل سقوطِها في قول الشاعر:
11- ................................ * كفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهياً
(1/2)
________________________________________
وفي خبرِ ليس و "ما" أختِها غيرَ موجَبٍ بـ إلاَّ، كقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ [عَبْدَهُ]}، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ} وفي: بحَسْبكِ زيدٌ. وغيرَ مطَّردةٍ في مفعولِ "كفَى"، كقوله:
12- فكفى بنا فَضْلاً على مَنْ غيرُنا * حُبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
أي: كَفانا، وفي البيت كلامٌ آخرُ، وفي المبتدأ غيرَ "حَسْب" ومنه في أحدِ القولين: "بأيِّكم المفتونُ" وقيل: المفتون مصدر كالمَعْقول والمَيْسور، فعلى هذا ليست زائدةً، وفي خبر "لا" أختِ ليس، كقوله:
13- فكُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ * بمُغْنٍ فتيلاً عن سَوادِ بنِ قاربِ
أي: مُغْنياً، وفي خبرِ كان مَنْفِيَّةً نحو:
14- وإنْ مُدَّتِ الأيدي إلى الزادِ لم أكنْ * بِأعجلِهم، إذْ أَجْشَعُ القومِ أعْجَلُ
أي: لم أكنْ أعجلَهم، وفي الحال وثاني مفعولَيْ ظنَّ منفيِّيْنِ أيضاً كقوله:
15- فما رَجَعَتْ بخَائِبَةٍ رِكابٌ * حكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها
وقولِ الآخر:
16- دهاني أخي والخيلُ بيني وبينه * فلمَّا دعاني لم يَجِدْني بقُعْدَدِ
أي: ما رَجَعَت رِكابُ خائبةً، ولم يَجِدْني قُعْدَداً، وفي خبر "إنَّ" كقول امرئ القيس:
17- فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها * فإنك ممَّا أَحْدَثَتْ بالمُجَرِّبِ
أي: فإنك المجرِّب، وفي: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ} وشبهه.
والاسمُ لغةً: ما أبانَ عن مُسَمَّى، واصطلاحاً: ما دلَّ على معنىً في نفسه فقط غيرَ متعرِّضٍ بِبُنْيَتِهِ لزمان و دالٍّ جزءٌ من أجزائه على جزءٍ من أجزاء معناه، وبهذا القيدِ الأخيرِ خَرَجت الجملةُ الاسميةُ، والتسميةُ: جَعْلُ ذلك اللفظِ دالاًّ على ذلك المعنى.
(1/3)
________________________________________
واختلف الناسُ: هل الاسمُ عينُ المُسَمَّى أو غيرُه؟ وهي مسألةٌ طويلةٌ، تكلَّك الناسُ فيها قديماً وحديثاً واستشكلوا على كونه هو المُسَمَّى إضافَتَه إليه، فإنه يلزم منه إضافةُ الشيء إلى نفسِه، وأجاب أبو البقاء عن ذلك بثلاثة أجوبة، أجودُها: أنَّ الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسميةُ غيرُ الاسم، لأنَّ التسمية هي اللفظُ بالاسم، والاسمَ هو اللازمُ للمُسَمَّى فتغايرا. الثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: باسم مُسَمَّى اللهِ. الثالث: أن لفظَ "اسم" زائدٌ كقولِه:

18- إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما * ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرْ
أي: السلام عليكما، وقول ذي الرمة:
19- لاَ يَرْفَعُ الطرفَ إلاَّ ما تَخَوَّنَهُ * داعٍ يُناديه باسمِ الماءِ مَبْغَومُ
وإليه ذهب أبو عبيدة والأخفش وقطرب.
واختلفوا في معنى الزيادة فقال الأخفش: ليخرجَ من حُكْمِ القسم إلى قَصْدِ التبرُّك". وقال قطرب: "زيد للإجلال والتعظيم"، وهذان الجوابان ضعيفان لأنَّ الزيادةَ والحذفَ لا يُصار إليهما إلاَّ إذا اضطُرَّ إليهما.
ومن هذا القَبيلِ -أعني ما يُوهِمُ إضافةَ الشيءِ إلى نفسِه- إضافةُ الاسمِ إلى اللقبِ والموصوفِ إلى صفتهِ، نحو: سعيدُ كُرزٍ وزيدُ قُفَّةٍ ومسجدُ الجامعِ وبَقْلَةُ الحمقاءِ، ولكن النحويين أوَّلوا النوع الأول بأنْ جعلوا الاسمَ بمعنى المُسَمَّى واللقبَ بمعنى اللفظِ، فتقديرُه: جاءني مسمَّى هذا اللفظِ، وفي الثاني جَعَلوه على حَذْفِ مضافٍ، فتقديرُ بقلةِ الحمقاءِ: بقلةُ الحبَّةِ والحمقاءِ، ومسجدُ الجامعِ: مسجدُ المكانِ الجامعِ.
واختلف النحويون في اشتقاقه: فذهب أهلُ البصرة إلى أنه مشتقٌ من السُّمُوِّ وهو الارتِفاعُ، لأنه يَدُلُّ على مُسَمَّاه فيرفعُه ويُظْهِرهُ، وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من الوَسْم وهو العلامةُ لأنه علامةٌ على مُسَمَّاه، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى لكنه فاسدٌ من حيث التصريفُ.
(1/4)
________________________________________
استدلَّ البصريون على مذهبهم بتكسيرِهم له على "أَسْماء" وتصغيرهم له على سُمَيّ، لأن التكسير والتصغير يَرُدَّان الأشياء إلى أصولها، وتقولُ العَربُ: فلانٌ سَمِيُّك، وسَمَّيْتُ فلاناً بكذا، وأسْمَيْتُه بكذا، فهذا يَدُلُّ على اشتقاقه من السموّ، ولو كان من الوَسْم لقيل في التكسير: أوْسام، وفي التصغير: وُسَيْم، ولقالوا: وَسِمُك فلانٌ ووَسَمْتُ وأَوسَمْتُ فلاناً بكذا، فدلَّ عدمُ قولِهم ذلك أنه ليس كذلك. وأيضاً فَجَعْلُه من السموّ مُدْخِلٌ له في البابِ الأكثرِ، وجَعْلُه من الوَسْم مُدْخِلٌ له في الباب الأقلِّ؛ وذلك أن حَذْفَ اللام كثيرٌ وحذفَ الفاءِ قليلٌ، وأيضاً فإنَّا عَهْدْناهم غالباً يُعَوِّضون في غير محلِّ الحَذْفَ فَجَعْلُ همزةِ الوصل عوضاً من اللام موافقٌ لهذا الأصل بخلافِ ادِّعاءِ كُوْنِها عوضاً من الفاء. فإن قيل: قولُهم "أسماء" في التكسير و "سُمَيّ" في التصغير لا دلالةَ فيه لجوازِ أن يكون الأصلُ: أَوْسَاماً ووُسَيْماً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أوْسام: أَسْماواً، ثم أُعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم قُلِبَتِ الكلمةُ بأَنْ أُخِّرَتْ فاؤُها بعد لامها فصار لفظُ أوْسام: أسْماواً، ثم أعِلَّ إعلالَ كساء، وصار وُسَيْم سُمَيْوَاً، ثم أُعِلَّ إعلالَ جُرِيّ تصغير جَرْو. فالجواب أنَّ ادِّعاء ذلك لا يفيدُ، لأنَّ القَلْبَ على خلافِ القياس فلا يُصارُ إيله ما لم تَدْعُ إليه ضرورةٌ. وهل لهذا الخلافِ فائدةٌ أم لا؟ والجوابُ أن له فائدةً، وهي أنَّ مَنْ قال باشتقاقِه من العلوِّ يقول: إنه لم يَزَلْ موصوفاً قبل وجودِ الخلق وبعدَهم وعند فَنائِهم، لا تأثيرَ في أسمائه ولا صفاتِه وهو قول أهل السُّنَّةِ. وَمنْ قال بأنه مشتقٌّ من الوَسْم يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفةٍ، فلما خَلَقَ الخلق جعلوا له أسماءٌ وصفاتٍ وهوقول المعتزلة، وهذا أشدُّ
(1/5)
________________________________________
خطأً من قولهِم بخلق القرآن وعلى هذا الخلافِ وَقَعَ الخلافُ أيضاً في الاسم والمُسَمَّى.

وفي الاسم حمسُ لغاتٍ: "اسم" بضم الهمزة وكسرها، و "سُِم"بكسر السين وضمها. وقال أحمد بن يحيى: "سُمٌ بضم السين أَخَذَه من سَمَوْتُ أسْمُو، ومَنْ قاله بالكسر أخذه من سَمَيْتُ أسْمي، وعلى اللغتين قوله:
20- وعامُنا أَعْجبنا مُقَدَّمُهْ * يُدْعى أبا السَّمْحِ وقِرضابٌ سُِمُهْ
مُبْتَرِكاً لكلِّ عَظْمٍ يَلْحُمُهْ
يُنْشَدُ بالوجهين، وأنشدوا على الكسر:
21- باسمِ الذي في كلِّ سورةٍ سُِمُهْ
[فعلى هذا يكون في لام "اسم" وجهان، أحدٌهما: أنها واو، والثاني: أنها ياء وهو غريبٌ، ولكنَّ] أحمد بن يحيى جليلُ القدر ثقةٌ فيما ينقل. و "سُمَىً" مثل هُدَىً. واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:
22- واللهُ أسْماك سُمَىً مُبارَكاً * آثرك اللهُ به إيثارَكَا
ولا دليلَ في ذلك لجوازِ أن يكونَ من لغةِ مَنْ يجعله منقوصاً مضمومَ السين وجاء به منصوباً، وإنما كان ينتهض دليلاً لو قيل: سُمَىً حالةَ رفعٍ أو جَرٍّ.
وهمزتُه همزةُ وصلٍ أي تُثْبَت ابتداءً وتُحْذَفُ دَرْجَاً، وقد تُثْبَتُ ضرورةً كقوله:
23- وما أنا بالمَخْسوسِ في جِذْمِ مالكٍ * ولا مَنْ تسمَّى ثم يلتزِم الإسما
(1/6)
________________________________________
وهو أحدُ الأسماءِ العشرةِ التي ابتُدِئ في أوائِلها بهمزةِ الوصلِ/ وهي: اسم واست وابن وابنُم وابنة وامرؤ وامرأة واثنان واثنتان وايمنُ في القسم. والأصل في هذه الهمزةِ أن تُثْبَتَ خَطَّاً كغيرِها من همزاتِ الوصل، وإنما حَذَفوها حين يُضاف الاسمُ إلى الجلالةِ خاصةً لكثرة الاستعمال. وقيل: ليوافقَ الخطُّ اللفظَ. وقيل لا حذفَ أصلاً، وذلك لأن الأصل: "سِمٌ" أو "سُم" بكسر السين أو ضمها فلمَّا دخلتِ الباءُ سَكَنَتِ العينُ تخفيفاً، لأنه وقع بعد الكسرة كسرةٌ أو ضمةٌ، [وهذا حكاه النحاس وهو حسن]، فلو أضيف إلى غير الجلالة ثَبَتَتْ، نحو: باسم الرحمن، هذا هو المشهور، وحُكِيَ عن الكسائي والأخفش جوازُ حََذْفِها إذا أُضيفت إلى غيرِ الجلالة من أسماء الباري تعالى نحو: بسمِ ربِّك، بسمِ الخالق.
واعْلم أنَّ كلَّ جار ومجرور لا بُدَّ له من شيءٍ يَتَعَلَّقُ به، فعلٍ أو ما في معناه، إلا في ثلاثِ صور: حرفِ الجر الزائد ولعلَّ ولولا عند مَنْ يجر بهما، وزاد الاستاذ ابن عصفور كاف التشبيه، وليس بشيء فإنها تتعلَّق. إذا تقرر ذلك فـ "بسم الله" لا بدَّ من شيء يتعلق به ولكنه حُذِف.
(1/7)
________________________________________
واختلف النحويون في ذلك، فذهب أهلُ البصرةِ إلى أنَّ المُتَعَلَّقَ به اسمٌ، وذهب أهل الكوفة إلى أنه فِعْلٌ، ثم اختَلَفَ كلٌ من الفريقين: فذهب بعضُ البصريين إلى أنَّ المحذوفَ مبتدأٌ حُذِفَ هو وخبرهُ وبقي معمولُه، تقديره: ابتدائي باسم الله كائنٌ أو مستقرٌ، أو قراءتي باسم الله كائنةٌ أو مستقرة. وفيه نظرٌ من حيث إنه يلزمُ حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معمولِه وهو ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنه خبرٌ ممنوعٌ، وقد نص مكي على مَنْع هذا الوجهِ. وذهبَ بعضهُم إلى أنه خبرٌ حُذِف هو ومبتدؤه أيضاً وبقي معمولُه قائماً مَقامَه، والتقدير: ابتدائي كائنٌ باسمِ الله، أو قراءتي كائنةٌ باسم الله نحو: زيدٌ بمكةَ، فهو على الأول منصوبُ المحلِّ وعلى الثاني مرفُوعه لقيامِهِ مقامَ الخبر. وذهب بعضُ الكوفيين إلى أنَّ ذلك الفعلَ المحذوفَ مقدَّرٌ قبله، قال: لأنَّ الأصلَ التقديمُ، والتقدير: أقرأُ باسم الله أو أبتدئُ باسم الله. ومنهم مَنْ قدَّر بعده: والتقدير: باسم الله أقرأ أو أبتدئ أو أتلو، وإلى هذا نجا الزمخشري قال: "ليفيدَ التقديمُ الاختصاصَ لأنه وقع ردًّا على الكفرة الذين كانوا يبدؤون بأسماءِ آلهتهم كقولهم: باسم اللات، باسم العُزَّى، وهذا حسنٌ جداً، ثم اعترض على نفسِه لقولِه تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} حيث صَرَّح بهذا العامل مُقَدَّماً على معمولِه، ثم أجاب بأنَّ تقديمَ الفعل في سورة العلق أوقعُ لأنها أولُ سورةٍ نَزَلَت فكان الأمرُ بالقراءة أهمَّ". وأجاب بأنَّ بـ "اسم ربك" ليس متعلقاً بـ "اقرأ" الذي قبله، بل بـ "اقرأ" الذي بعده، فجاء على القاعدة المتقدمة. وفي هذا نظرٌ لأن الظاهرَ على هذا القول أن يكون "اقرأ" الثاني توكيداً للأول فيكون قد فَصَلَ بمعمول المؤكِّد بينه وبين ما أكَّده مع الفصل بكلامٍ طويل.
(1/8)
________________________________________
واختلفوا أيضاً: هل ذلك الفعلُ أوٌ أو خبرٌ. فذهب الفراء أنه أمْرٌ تقديرُه: اقرأ أنت باسم الله، وذهب الزجاج أنه خبرٌ تقديره: اقرأ أنا أو أبتَدِئُ ونحوهُ.
و "الله" في "بسم الله" مضافٌ إليه، وهل العاملُ في المضاف إليه المضافُ أو حرفُ الجرِّ المقدََّرِ أو معنى الإضافة ثلاثةُ أقوال خَيْرُها أوسطُها. وهو عَلَمٌ على المعبودِ بحق، لاَ يُطلق على غيره، ولَم يَجْسُرْ أحدٌ من المخلوقين أن يَتَسَّمى به، وكذلك الإله قبل النقل والإدغامِ لا يُطْلق إلا على المعبودِ بحقٍّ. قال الزمخشري: "كأنه صار عَلَماً بالغلَبة"، وأمّا "إله" المجردُ من الألف واللام فيُطلق على المعبود بحقٍّ وعلى غيره، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ، {[أَرَأَيْتَ] مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ} واختلف الناسُ هل هو مُرْتَجَلٌ أو مشتق؟، والصوابُ الأولُ، وهو أعرفُ المعارف. يُحْكى أن سِيبوِيه رُئيَ في المنام فقيل [له] ما فعلَ اللهُ بك؟ فقال: خيراً كثيراً، لجَعْلِي اسمَه أعرفَ المعارفِ.
ثم القائلونَ باشتقاقِه اختلفوا اختلافاً كثيراً، فمنهم مَنْ قال: هو مشتقٌّ من لاهَ يليه أي ارتفع، ومنه قيل للشمس: إلاَهة بكسر الهمزة وفتحها لارتفاعها، وقيل: لاتخاذِهِم إياها معبوداً، وعلى هذا قيل: "لَهْيَ أبوك" يريدونَ: للهِ أبوك، فَقَلَب العينَ إلى موضع اللام. وخَفَّع فَحَذَفَ الألفَ واللامَ وحَذَفَ حرفَ الجرِ. وأَبْعد بعضُهم فَجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر:
24- ألا ياسَنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمى * لَهِنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
(1/9)
________________________________________
قال: الأصل: لله إنك كريمٌ عليَّ، فَحَذََفَ حرف الجر وحرف التعريف والألفَ التي قبل الهاء من الجلالة، وسَكَّن الهاءَ إجراءً للوصل مُجْرى الوقف، فصار اللفظ: لَهْ، ثم أَلقى همزة "إنَّ" علىلهاء فبقي: لَهْنَّك كما ترى، وهذا سماجَةٌ من قائلِه. وفي البيت قولان أيسرُ من هذا.
ومنهمَ مَنْ قال: "هو مشتقٌّ من لاخه يَلُوه لِياهاً. أي احتجَبَ، فالألف على هذين القولين أصليةٌ، فحينئذ أصلُ الكلمة لاَهَ، ثم دخل عليه حرفُ التعريف فصار اللاه، ثم أُدْغِمت لام التعريف في اللام بعدها لاجتماعِ شروطِ الإدغام، وفُخِّمت لامُه. ووزنُه على القولين المتقدِّمين إمَّا: فَعَل أو فَعِل بفتح العين أو كسرها، وعلى كل تقدير: فتحرَّك حرفُ العلة وانفتحَ ما قبلَه فقُلِب ألفاً، وكان الأصلَ: لَيَهاً أو لَيِهاً أو لَوَهاً أو لَوِهاً.

ومنهم مَنْ جَعَلَه مشتقاً من أَلَه، وأَلَه لفظٌ مشترك بين معانٍ وهي: العبادةُ والسكون والتحيُّر والفزع، فمعنى "غله" أنَّ خَلْقَه يعبدونه ويسكنون إيله ويتحيَّرون فيه ويفزعون إليه. ومنه قولُ رؤبة"
25- للهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ * سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألُّهي
أي: من عبادتِه، ومنه "ويذرُك وإلاَهَتَك" أي عبادتك. وإلى معنى التحيُّر أشار أمير المؤمنين بقوله: "كَلَّ دون صِفاته تحبيرُ الصفات وضَلَّ هناك تصاريفُ اللغات" وذلك أن العبد إذا تفكَّر في صفاته تحيَّر، ولهذا/ رُوي: "تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله" وعلى هذا فالهمزةُ أصلية والألفُ قبل الهاء زائدةٌ، فأصلُ الجلالة الكريمة: الإله، كقولِ الشاعر:
26- معاذَ الإله أن تكونَ كظبيةٍ * ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةٍ رَبْرَبٍ
ثم حُذِفت الهمزةُ لكثرةِ الاستعمال كما حُذفت في ناس، والأصل أُناس كقوله:
27- إنَّ المَنايا يَطَّلِعْـ * ـنَ على الأُناس الآمِنينا
(1/10)
________________________________________
فالتقى حرفُ التعريفِ مع اللامِ فأُدْغِم فيها وفُخِّم. أو نقول: إن الهمزة من الإله حُذِفت للنقل، بمعنى أنَّا نَقَلْنا حَرَكتَها إلى لام التعريف وحَذَفْناها بعد نقل حركتها كما هو المعروف في النقل، ثم أُدغم لامُ التعريف كما تقدَّم، إلا أنَّ النقلَ هنا لازِمٌ لكثرةِ الاستعمال.
ومنهم مَنْ قال: هو مشتقٌ من وَلِهَ لكونِ كلِّ مخلوقٍ والِهاً نحوَه، وعلى ذلك قال بعض الحكماء: "الله محبوب للأشياءِ كلها، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} فأصله: وِلاه ثم أُبدلت الواو همزةً كما أُبدلت في إشاح وإعاء، والأصلُ: وِشاح ووِعاء، فصار الفظُ به: إلاهاً، ثم فُعِل به ما تقدَّم مِنْ حَذْفِ همزتِه والإِدغام، ويُعْزَى هذا القول للخليل، فعلى هذين القولين وزنُ إلاه: فِعال، وهو بمعنى مَفْعول أي: مَعْبود أو متحيِّرٌ فيه كالكِتاب بمعنى مكتوب.
وُردَّ قولث الخليل بوجهين، أحدهما: أنه لو كانت الهمزةُ بدلاً من واو لجاز النطق بالأصلِ، ولم يَقُلْه أحد، ويقولون: إشاح ووشاح وإعاء ووعاء. والثاني: أنه لو كان كذلك لجُمع على أَوْلِهة كأَوْعِية وأَوشِحَة فتُرَدُّ الهمزة إلى أَصلها، ولم يُجْمع "إله" إلا على آلهة.
وللخليل أن ينفصِلَ عن هذين الاعتراضين بأنَّ البدلَ لزِم في هذا الاسمِ لأنه اختصَّ بأحكامٍ لم يَشِرَكَهْ فيها غيرُه، كما ستقف عليه، ثم جاء الجمع على التزامِ البدل.
(1/11)
________________________________________
وأمَّا الألفُ واللامُ فيترتَّب الكلامُ فيها على كونِه مشتقاً أو غيرَ مشتقٍّ، فإنْ قيل بالأول كانَتْ في الأصل مُعَرِّفةً، وإنْ قيل بالثاني كانت زائدةً. وقد شَذَّ حذفُ الألفِ واللامِ من الجلالة في قولهم "لاهِ أبوك"، والأصل: للهِ أبوك كما تقدم، قالوا: وحُذِفَت الألفُ التي قبل الهاء خَطَّاً لئلا يُشْبَّهَ بخط "اللات" اسم الصنم، لأن بعضهم يقلبُ هذه التاء في الوقف هاءً فيكتُبها هاءً تَبَعَاً للوقف فمِنْ ثمَّ جاء الاشتباه. وقيل: لئلا يُشَبَّه بخط "اللاه" اسمَ فاعل من لها يلهو، وهذا إنما يَتِمُّ على لغة مَنْ يحذف ياءَ المنقوص المعرَّف وقفاً لأن الخطَّ يتبعه، وأمَّا مَنْ يُثْبِتُها وقفاً فيثبتها خطَّاً فلا لبْس حينئذ. وقيل: حَذْفُ الألف لغةٌ قليلة جاء الخط عليها، والتُزمَ ذلك لكثرة استعماله، قال الشاعر:
28- أقبلَ سَيْلٌ كان من أمر اللهْ * يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّة المُغِلَّهْ
وحكمُ لامِه التفخيمُ تعظيماً ما لم يتقدَّمْه كسرٌ فترقّقُ، وإن كان أبو القاسم الزمخشري قد أطلق التفخيمَ، ولكنه يريد ما قلته. ونقل أبو البقاء أنَّ منهمِ مَنْ يُرَقِّقُها على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً عن كابرٍ كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقُهَا على كل حال. وهذا ليس بشيءٍ لأن العربَ على خِلافِه كابراً كما ذكره الزمخشري. ونقل أهلُ القراءة خلافاً فيما إذا تقدَّمَه فتحةٌ ممالةٌ أي قريبة من الكسرة: فمنهم مَنْ يُرَقِّقها، ومنهم مَنْ يُفَخِّمُها، وذلك كقراءة السوسي في أحدِ وَجْهَيْه: "حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً".
(1/12)
________________________________________
ونقل السهيلي وابن العربي فيه قولاً غريباً وهو أنَّ الألف واللام فيه أصليةٌ غيرُ زائدةٍ، واعتذرا عن وَصْلِ الهمزةِ بكثرة الاستعمال، كما يقول الخليل في همزةِ التعريف، وقد رُدَّ قولهُما بانه كان ينبغي أن يُنَوَّن لفظُ الجَلالةِ لأنَّ وزنَه حينئذ فَعَّال نحو: لآَّل وسَآَّل، وليس فيه ما يمنع من التنوينِ فدلَّ على أنَّ أل فيه زائدةٌ على ماهيةِ الكلمةِ.
ومن غريبِ ما نُقِل فيه أيضاً أنه ليس بعربي بل هو مُعَرَّب، وهو سُريانيُّ الوَضْعِ وأصله: "لاها" فَعَرَّبَتْه العربُ فقالوا: الله، واستدلُّوا على ذلك بقول الشاعر:
29- كحَلْفَةٍ من أبي رياحِ * يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبارُ
فجاء به على الأصلِ قبل التعريبِ، ونق ذلك أبو زيد البلخي.

[ومِنْ غريب ما نُقل فيه أيضاً أنَّ الأصل فيه الهاءُ التي هي كنايةٌ عن الغائب] قالوا: وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في نظر عقولِهم فأشاروا إيله بالضمير، ثم زِيدَتْ فيه لامُ المِلك، إذ قد علِموا أنه خالقُ الأشياء ومالِكُها فصار اللفظ: "لَهُ" ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً، وهذا لا يُشبه كلامَ أهل اللغة ولا النَحْويين، وإنما يشبه كلامَ بعض المتصوفة.
(1/13)
________________________________________
ومن غريب ما نُقل فيه أيضاً أنه صفةٌ وليس باسم، واعتلَّ هذا الذاهب إلى ذلك أنَّ الاسم يُعَرِّفَ المُسَمَّى والله تعالى لا يُدْرِكُ حِسَّاً ولا بديهةً فلا يُعَرِّفُه اسمه، إنما تُعَرِّفه صفاتُه، ولأن العَلَم قائمٌ مقامَ الإشارة، واللهُ تعالى ممتنعٌ ذلك في حقه. وقد رَدَّ الزمخشري هذا القولَ بما معناه أنك تصفه ولا تَصِفُ به، فتقول: إله عظيم واحد، كما تقول: شيءٌ عظيم ورجلٌ كريم، ولا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، ولو كان صفةً لوقع صفةً لغيره لا موصوفاً، وأيضاً فإنَّ صفاتِه الحسنى لا بُدَّ لها من موصوف تَجْري عليه، فلو جَعَلْتَها صفاتٍ، بقيت غيرَ جاريةٍ على اسمٍ موصوفٍ بها، وليس فيما عدا الجلالة خلافٌ في كونِه صفةً فَتَعَيَّن أن تكونَ الجلالةُ اسماً لا صفةً. والقولُ في هذا الاسم الكريمِ يحتمل الإطالةَ أكثرَ ممَّا ذكرْتُ لك، إنما اختصرْتُ ذلك خوفَ السآمة للناظر في هَذا الكتاب.
الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، وقيل: الرحمنُ ليس مشتقاً لأن العربَ لم تَعْرِفْه في قولهم: {وَمَا الرَّحْمَانُ} وأجاب ابن العربي عنه بأنهم جَهِلوا الصفةَ دونَ الموصوفِ، ولذلك لم يقولوا: وَمَنْ الرحمن؟ وقد تَبِعا موصوفَهما في/ الأربعةِ من العشرة المذكورة.
(1/14)
________________________________________
وذهب الأعلمُ الشنتمريُّ إلى أن "الرحمن" بدلٌ من اسمِ الله لا نعتٌ له، وذلك مبنيٌّ على مذهبه من أنَّ الرحمن عنده عَلَمٌ بالغلَبة. واستدَلَّ على ذلك بأنه قد جاء غيرَ تابعٍ لموصوفٍ، كقوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ} {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وقد رَدَّ عليه السُّهيلي إلى تبيين لأنها اعرفُ الأعلامِ، ألا تراهم قالوا: {وَمَا الرَّحْمَانُ} ولم يقولوا: وما اللهُ. انتهى. أمَّا قوله: "جاء غيرَ تابع" فذلك لا يمنعُ كونَه صفةً، لأنه إذا عُلم الموصوفُ جاز حَذْفُه وبقاءُ صفتِه، كقولِه تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} أي نوع مختلف، وكقول الشاعر:

30- كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوهِنَها * فلم يَضِرْها وأَوْهَى قرنَه الوَعِلُ
أي: كوعلٍ ناطح، وهو كثير.
والرحمة لغةً: الرقةُ والانعطافُ، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي الابطنُ لانعطافِها على الجنين، فعلى هذا يكون وصفُه تعالى بالرحمة مجازاً عن إنعامِه على عبادِه كالمَلِك إذا عَطَف على رعيَّته أصابَهم خيرُه. هذا معنى قول أبي القاسم الزمخشري. ويكونُ على هذا التقدير صفةَ فعلٍ لا صفةَ ذاتٍ، وقيل: الرحمة إرادةُ الخيرِ لمَنْْ أرادَ اللهُ به ذلك، ووَصْفُه بها على هذا القولِ حقيقةٌ، وهي حينئذ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظاهرُ.
وقيل: الرحمة رِقَّةٌ تقتضي الإحسانَ إلى المرحومِ، وقد تُستعملُ تارةً في الرقة المجردة وتارةً في الإِحسان المجرَّد، وإذا وُصِف به الباري تعالى فليس يُراد به إلا الإِحسانُ المجردُ دونَ الرقةِ، وعلى هذا رُوي: "الرحمةُ من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الادميين رقةٌ وتعطُّف".
(1/15)
________________________________________
[وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "وهما اسمان رقيقان أحدهما ارقُّ من الآخر أي: أكثرُ رحمة". قال الخطَّابي: وهو مُشْكِلٌ؛ لأن الرقة] لا مَدْخَلَ لها في صفاتهِ. وقال الحسين بن الفضل: "هذا وَهْمٌ من الراوي، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أَرْفَقُ من الآخر والرفق من صفاته" وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله رفيقٌ يحبُّ الرِفقَ، ويُعطي عليه ما لا يُعْطي على العنف"، ويؤيِّده الحديثُ، وأمَّا الرحيمُ فالرفيق بالمؤمنين خاصة.
واختلف أهلُ العلمِ في "الرحمن الرحيم" بالنسبة إلى كونِهما بمعنىً واحدٍ أو مختلفين. فذهب بعضُهم إلى أنهما بمعنى واحد كَنْدمان ونَدِيم، ثم اختلف هؤلاء على قولين، فمنهم مَنْ قال: جُمِع بينهما تأكيداً، ومنهم مَنْ قال: لمَّا تَسَمَّى مُسَيْلمة - لعنه الله- بالرحمن قال الله لنفسه: الرحمنُ الرحيم، فالجمعُ بين هاتين الصفتين لله تعالى فقط. وهذا ضعيفٌ جداً، فإنَّ تسميَته بذلك غيرُ مُعْتَدٍّ بها البتَة، وأيضاً فإن بسم الله الرحمن الرحيم قبلَ ظورِ أمرِ مُسَيْلَمَةَ.
ومنهم مَنْ قال: لكلِّ واحد فائدةٌ غيرُ فائدةِ الآخر، وجَعَل ذلك بالنسبة إلى تغايُرِ متعلِّقِهما إذ يقال: "رَحْمن الدنيا ورحيمُ الآخرة"، يُروى ذلك عن النبي صلَى الله عليه وسلم، وذلك لأنَّ رحمته في الدنيا تَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، وفي الآخرة تَخُصُّ المؤمنين فقط، ويُروَى: رحيمُ الدنيا ورحمنُ الآخرة، وفي المغايَرة بينهما بهذا القَدْر وحدَه نظرٌ لا يَخْفى.
(1/16)
________________________________________
وذهب بعضُهم إلى أنهما مختلفان، ثم اختلف هؤلاء أيضاً: فمنهم مَنْ قال: الرحمن أبلغُ، ولذلك لا يُطلق على غيرِ الباري تعالى، واختاره الزمخشري، وجعلَه من باب غَضْبان وسَكْران للممتلئِ غَضَباً وسُكْراً، ولذلك يقال: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة فقط، قال الزمخشري: "فكان القياسُ الترقِّيَ من الأدنى، إلى الأعلى، كما يُقال: شُجاع باسل ولا يقال: باسِلٌ شجاع. ثم أجاب بأنه أَرْدَفَ الرحمنَ الذي يتناول جلائلَ النِّعَمِ وأصولَها بالرحيمِ ليكونَ كالتتمَّةِ والرديف ليتناولَ كا دَقَّ منها ولَطَف.
ومنهم مََنْ عَكَس فجعلَ الرحيمَ أبلغَ، ويؤيده روايةُ مَنْ قال: "رحيم الدنيا والآخرة" لأنه في الدنيا يَرْحم المؤمن والكافرَ، وفي الآخرة لا يَرْحم إلا المؤمن. لكن الصحيح أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وأمَّا هذه الروايةُ فليس فيها دليلٌ، بل هي دالَّةٌ على أنَّ الرحمنَ أبلغُ، وذلك لأن القيامَة فيها الرحمةُ أكثرُ بأضعافٍ، وأثرُها فيها أظهرُ، على ما يُروى أنه خَبَّأ لعباده تسعاً وتسعينَ رحمةً ليوم القيامة. والظاهر أن جهةَ المبالَغَةِ فيهما مختلفةٌ، فمبالغةُ "فَعْلان" من حيث الامتلاءُ والغَلَبَةُ ومبالغةُ "فعيل" من حيث التكرارُ والوقوع بمَحَالِّ الرحمة. وقال أبو عبيدة: "وبناء فَعْلان ليس كبناءِ فَعِيل، فإنَّ بناء فَعْلان لا يقع إلى على مبالغةِ الفِعْل، نحو: رجل غَضْبانُ للمتلئ غضباً، وفعيل يكون بمعنى الفاعلِ والمفعول، قال:
31- فأمَّا إذا عَضَّتْ بك الحربُ عَضَّةً * فإنك مَعْطوفٌ عليك رحيمُ
فالرحمنُ خاصٌّ الاسمِ عامُّ الفعل. والرحيمُ عامٌّ الاسمِ خاصُّ الفعلِ، ولذلك لا يَتَعَدَّى فَعْلان ويتعدَّى فعيل. حكى ابنُ ابنُ سِيده: "زيدٌ حفيظٌ علمَك وعلمَ غيرك".
(1/17)
________________________________________
والألفُ واللام في "الرحمن" للغلَبة كهي في "الصَّعِق"، ولا يُطلق على غير الباري تعالى عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَانَ} فعادَلَ به ما لا شِرْكَةَ فيه، بخلاف "رحيم" فإنه يُطلق على غيره تعالى، قال [تعالى] في حَقَّه عليه السلام: "بالمؤمنين رؤوف رحيم"، وأمَّا قول الشاعر في مُسَيْلَمََةَ الكذاب -لعنه الله تعالى-:
32- ................................... * وأنت غَيْثُ الوَرى لا زلت رَحْمانا
فلا يُلتفت إلى قوله لَفْرطَ تَعَنُّتهم، ولا يُستعمل إلاَّ مُعَرَّفاً بالألفِ واللامِ أو مضافاً، ولا يُلتفت لقوله: "لا زِلْتَ رَحْماناً" لشذوذه.

ومن غريب ما نُقِل فيه أنه مُعَرَّب، ليس بعربيِّ الأصل، وأنه بالخاء المعجمة قاله ثعلب [والمبرد وأنشد]:
33- لن تُدْرِكوا المَجْدَ أو تَشْرُوا عَباءَكُمُ * بِالخَزِّ أو تَجْعلوا اليَنْبُوتَ ضَمرانا
أو تَتْرُكونَ إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ * ومَسْحكم صُلبَهم رَخْمانَ قُرْبانا
(1/18)
________________________________________
وفي وصب الرحيم بالحمد ثلاثة أوجهٍ، الذي عليه الجمهور: الرحيمِ بكسر الميم موصولةً بالحمد. وفي هذه الكسرة احتمالان: أحدهما -وهو الأصحُّ- أنها حركةُ إعرابٍ، وقيل: يُحتمل أنَّ الميم سَكَنَت على نية الوقف، فلمَّا وقع بعدها ساكن حُرِّكت بالكسر. والثاني من وَجْهَي الوصل: سكونُ الميمِ والوقفُ عليها، والابتداءُ بقطع ألف "الحمد"، رَوَتْ ذلك أم سلمة عنه السلام. الثالث: حكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ: الرحيمَ الحمدُ" بفتح الميم ووصل ألف الحمد، كأنها سكنَّت وقطعَتِ الألفَ، ثم أَجْرت الوقف مُجرى الوصل، فألقَتْ حركة همزة الوصل على الميم الساكنة. قال ابن عطية: "ولم تُرْوَ هذه قراءةً عن أحد [فيما علمت، "وهذا فيه نظرٌ يجيئ في: {الاما اللَّهُ} قلت: يأتي تحقيقه في آل عمران إن شاء الله تعالى، ويحتمل هذا وجهاً آخر وهو أن تكونَ الحركةُ للنصبِ بفعل محذوفٍ على القطع]، وهو أوْلَى من هذا التكلُّف.

* { الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

الحمدُ: الثناءُ على الجميل سواءً كان نعمةً مُسْداةً إلى أحدٍ أم لا، يقال: حَمِدْتُ الرجل على ما أنعم به عليَّ وحَمِدْته على شجاعته، ويكون باللسان وحدَه دونَ عملِ الجَوارح، إذ لا يقال: حَمِدْت زيداً أي عَمِلْتُ له بيديَّ عملاً حسناً، بخلافِ السكر فإنه لا يكونُ إلاَّ نعمةً مُسْدَاةً إلى الغيرِ، يقال: شكرتُه علفى ما أعطاني، ولا يقال: شكرتُه على شجاعته، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، قال تعالى: {اعْمَلُوااْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} وقال الشاعر:
34- أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مني ثلاثةً * يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبا
(1/19)
________________________________________
فيكونُ بين الحمد والشكر عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. وقيل: الحمدُ هو الشكرُ بدليل قولهم: "الحمدُ لله شكراً". وقيل: بينهما عمومٌ/ وخصوصٌ مطلقٌ والحمدُ أعمُّ من الشكرِ، وقيل: الحمدُ الثناءُ عليه تعالى بأوصافه، والشكرُ الثناءُ عليع بأفعاله، فالحامدُ قسمان: شاكرٌ ومُثْنٍ بالصفاتِ الجميلة. وقيل: الحمدُ مقلوبٌ من المدحِ، وليس بسديدٍ وإن كان منقولاً عن ثعلب، لأن المقلوبَ أقلُّ استعمالاً من المقلوب منه، وهذان مستويان في الاستعمال، فليس ادِّعاءُ قلبِ أحدِهما من الآخر أَوْلَى من العكس، فكانا مادتين مستقلتين، وأيضاً فإنه يَمْتنع إطلاقُ المدحِ حيث يجوزُ إطلاقُ الحمدِ، فإنه يقال: "حَمِدْتُ الله" ولا يقال مَدَحْته، ولو كان مقلوباً لما امتنع ذلك. ولقائلٍ أن يقول: مَنَعَ من ذلك مانعٌ، وهو عَدَمُ الإْنِ في ذلك.

وقال الراغب: "الحمد لله الثناء [عليه] بالفضيلة، وهو أخصُّ من المدحِ وأعمُّ من الشكر، يقال فيما يكونُ من الإنسان باختياره وبما يكونُ منه وفيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإنسان بطولِ قامتهِ وصَباحةِ وجههِ كما يُمْدَحُ ببذلِ مالِه وشجاعتهِ وعلمهِ، والحمدُ يكون في الثاني دونَ الأول، والشكرُ لا يُقال إلا في مقابلةِ نعمة، فكلُّ شكرٍ حَمْدٌ وليس كل حمدٍ شكراً، وكلُّ حَمْدٍ مَدْحٌ وليس كلُّ مَدْحٍ حمداً، ويقال: فلان محمود إذا حُمِد، ومُحْمَدٌ [وُجد محموداً] ومُحَمَّد كَثُرت خصالُه المحمودة، وأحْمَدُ أي: إنه يفوق غيرَه في الحمد".
والألفَ واللامُ في "الحَمْد" قيل: للاستغراقِ وقيل: لتعريفِ الجنسِ، واختاره الزمخشري، قال الشاعر:
35- .......................... * إلى الماجِدِ القَرْمِ الجَوادِ المُحَمَّدِ
(1/20)
________________________________________
وقيل: للعَهْدِ. وَمَنع الزمخشرب كونَها للاستغراق، ولم يبيِّنْ وجهَ ذلك، ويُشْبِه أن يقال: إنَّ المطلوبَ من العبد إنشاء الحمد لا الإخبارُ به وحينئذ يستحيلُ كونُها للاستغراقِ، إذ لا يُمْكنُ العبدَ أن يُنْشِئَ جميعَ المحامدِ منه ومن غيرِه بخلافش كونِها للجنسِ.
والأصلُ فيه المصدريةُ فلذلك لا يُثَنَّى ولا يُجْمع، وحكى ابنُ الأعرابي جمعَه على أَفْعُل وأنشد:
36- وأَبْلَجَ محمودِ الثناء خَصَصْتُه * بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أَحْمُدي
وقرأ الجمهور: "الحمدُ للهِ" برفع الدال وكسر لام الجر، ورفعُه على الابتداء، والخبرُ الجار والمجرور بعده فيتعلَّقُ بمحذوف هو الخبرُ في الحقيقة. ثم ذلك المحذوفُ إن شئتَ قدَّرْتَه اسماً وهو المختار، وإنْ شئتَ قدَّرْتَه فِعْلاً، أي: الحمدث مستقرٌّ لله أو استقرَّ لله. والدليلُ على اختيار القول الأولِ أنَّ ذلك يتعيَّن في بعض الصور فلا أدلُّ من ترجيحه في غيرها، وذلك أنك إذا قلت: "خرجت فإذا في الدار زيدٌ"، و "أمَّا في الدار فزيدٌ"، يتعيَّن في هاتين الصورتين تقديرُ الاسم، لأن إذا الفجائية وأمَّا التفصيلية لا يليهما إلا المبتدأ. وقد عورض هذا اللفظُ بأنه يتعيَّن تقديرُ الفعلِ في بعضِ الصور، وهو إذا ما وقع الجارُّ والمجرورُ صلةً لموصولٍ، نحو: "الذي في الدار" فليكنْ راجحاً في غيره. والجوابُ أن ما رَجَّحْنا به هو من باب المبتدأ والخبر وليس أجنبياً فكان اعتباره أولى، بخلاف وقوعه صلةً، والأولُ غيرُ أجنبي.
ولا بُد من ذِكْر قاعدةٍ ههنا لعموم فائدتها، وهي أنَّ الجارَّ والمجرورَ والظرفَ إذا وَقَعا صلة أو صفة أو حالاً أو خبراً تعلقاً بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ لا يجوز ظهورهُ إذا كان كوناً مطلقاً، فأمَّا قول الشاعر:

37- لكَ العِزُّ إنْ مَوْلاكَ عَزَّ وإنْ يَهُنْ * فأنت لدى بُحْبوحَةِ الهُونِ كائِنُ
(1/21)
________________________________________
فشاذٌّ لا يُلتفَتُ إليه. وأمَّا قوله تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} فلك يَقْصِدْ جَعْلَ الظرفِ ثابتاً فلذلك ذكرَ المتعلِّقَ به. ثم ذلك المحذوفُ يجوز تقديرُه باسم أو فعل إلا في الصلة فإنه يتعيَّن أَنْ يكونَ اسماً. واختلفوا: أيُّ التقديرين أولى فيما عدا الصورَ المستثناةَ؟ فقوم رجَّحوا تقديرَ الاسمِ، وقومٌ رجَّحوا تقديرَ الفعلِ، وقد تقدَّم دليلُ الفريقين.
وقرئ شاذاً بنصب الدال من "الحمد"، وفيه وجهان: أظهرهُما أنه منصوب على المصدرية، ثم حُذِف العاملُ، وناب المصدرُ مَنَابَه، كقولهم في الإخبار: "حمداً وشكراً لا كُفْراً"، والتقدير: أَحْمَدُ الله حَمْداً فهو مصدرٌ نابَ عن جملة خبرية. وقال الطبري: إن في ضمنه أمرَ عبادِه أن يُثْنوا به عليه، فكأنه قال: قولوا الحمدَ لله، وعلى هذا يجيء "قولوا إياك" فعلى هذه العبارة يكون من المصادر النائبة عن الطلب لا الخبر، وهو محتملٌ للوجهين، ولكنَّ كونَه خبرياً أَوْلَى من كونه طلبياً؛ ولا يجوز إظهارُ هذا الناصبِ لِئلاّ يُجْمَع بين البدلِ والمُبْدلِ منه. والثاني: أَنه منصوبٌ على المفعول به أي اقرؤوا الحمدَ، أو اتلوا الحمدَ، كقولهم: "اللهم ضَبُعاً وذئْباً"، أي اجمَعْ ضبُعاً، والأولُ أحسن للدلالةِ اللفظيةِ.
وقراءةُ الرفع أَمْكَنُ وأَبْلَغُ من قراءة النصب، لأنَّ الرفع في بابِ المصادر التي أصلُها النيابةُ عن أفعالها يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على الثبوتِ والاستقرارِ بخلافِ النصب فإنه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، ولذلك قال العلماء: إن جوابَ خليل النصب فإنه يَدُلُّ على التجدُّدِ والحدوثِ، ولذلك قال العلماء: إن جوابَ خليل الرحمن عليه السلام في قوله تعالى حكايةً عنه: {قَالَ سَلاَمٌ} أحسنُ مِنْ قول الملائكة "قالوا سلاماً"، امتثالاً لقوله تعالى: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ
(1/22)
________________________________________
}. و "لله" على قراءة النصب يتعلَّق بمحذوفٍ لا بالمصدرِ لأنها للبيان تقديره: أَعْنِي لله، كقولهم: سُقْياً له ورَعْياً لك، تقديرهُ: أعني له ولك، أعني ولك، ويدلُّ على أن اللام تتعلق في هذا النوع بمحذوفٍ لا بنفسِ المصدرِ أنهم لم يُعْمِلوا المصدرِ المتعدي في المجرورِ باللام فينصبوه فيقولوا: /سُقياً زيداً ولا رَعْياً عمراً، فدلَّ على أنه ليس معمولاً للمصدرِ، ولذلكَ غَلِظَ مَنْ جعلَ قولَه تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} من باب الاشتغالِ لأنَّ "لهم" لم يتعلَّق بِتَعْساً مَرَّ. ويحتمل أن يقال: إنَّ اللام في "سُقياً لك" ونحوِه مقويةٌ لتعدية العاملِ لكونِه فَرْعاً فيكونُ عاملاً فيما بعدَه.

وقُرئ أيضاً بكسرِ الدال، ووجهُه أنها حركةُ إتباعٍ لكسرةِ لامِ الجر بعدها، وهي لغة تميم وبعض غطفان، يُتْبِعُون الأول للثاني للتجانس، ومنه: "اضربِ الساقَيْنُ أُمُّك هابِلُ"، بضم نون التثنية لأجل ضمِّ الهمزة. ومثله:
38- وَيْلمِّها في هواءِ الجَوِّ طالبةً * ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبٌ
الأصل: ويلٌ لأُمها، فَحَذَفَ اللامَ الأولى، واستثقل ضمَّ الهمزةِ بعد الكسرة، فَنَقَلها إلى اللام بعد سَلْب حركتها، وحَذَفَ الهمزةَ، ثم أَتْبع اللامَ الميمَ، فصار اللفظ: وَيْلِمِّها، ومنهم مَنْ لا يُتبع، فيقول: وَيْلُمِّها بضم اللام، قال:
39- وَيْلُمِّها خُلَّةً قد سِيْطَ مِنْ دمِها * فَجْعٌ وَوَلْعٌ [وإخلافٌ وتَبِدِيلُ]
ويُحتمل أن تكونَ هذه القراءة من رفعٍ وأن تكونَ مِنْ نصبٍ، لأنَّ الإعرابَ مقدرٌ مَنَعَ من ظهورِه حركةُ الإتباعِ.
(1/23)
________________________________________
وقُرئ أيضاً: "لُلَّهِ" بضمِّ لامِ الجرِّ، قالوا: وهي إتباعٌ لحركة الدالِ، وفضَّلها الزمخشري على قراءة كسر الدال معتلاً لذلك بأنَّ إتباع حركة البناء لحركة الإعراب أحسنُ من العكس وهي لغةُ بعضِ قيس، يُتْعون الثاني للأول نحو: مُنْحَدُرٌ ومُقُبلِين، بضمِّ الدالِ والقافِ لأجلِ الميم، وعليه قُرئ: "مُرْدِفين" بضمِّ الراءِ إتباعاً للميمِ، فهذه أربعُ قراءاتٍ في "الحمدُ لله" وقد تقدَّم توجيهُ كلٍّ منها.
ومعنى لام الجر هنا الاستحقاقُ، أي الحمدُ مستحقٌ لله، ولها معانٍ أخَرُ، نذكرها الآن، وهي الملك والاستحقاق [نحو:] المالُ لزيد، الجُلُّ للفرس، والتمليك نحو: وَهَبْتُ لك وشبهِه، نحو: {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} والنسب نحو: لزيد عَمُّ" والتعليلُ نحو: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} والتبليغ نحو: قلتُ لك، والتعجبُ في القسم خاصة، كقوله:
40- للهِ يَبْقى على الأيام ذو حِيَدٍ * بمُسْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والآسُ
والتبيين نحو: قوله تعالى: {هَيْتَ لَكَ} والصيرورةُ نحو قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} والظرفية: إمَّا بمعنى في، كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} أو بمعنى عِنْد، كقولهم: "كتبتُه لخمسٍ" أي عند خمس، أو بمعنى بَعْدَ، كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: بعد دلوكها، والانتهاء، كقوله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ} والاستعلاء نحو قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي على الأذقان، وقد تُزاد باطِّراد في معمول الفعل مقدَّماً عليه كقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} أو كان العاملُ فَرْعاً، نحوُ قولِه تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} وبغيرِ اطًِّراد نحو قوله:

41- ولمَّا أَنْ توافَقْنا قليلاً * أنَخْنا للكلاكِل فارتَمَيْنا
(1/24)
________________________________________
وأمَّا قوله تعالى: {قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم} فقيلَ: على التضمين. وقيل هي زائدة.
قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: الربُّ لغةً: السيِّدُ والمالك والثابِت والمعبود، ومنه:
42- أَرَبٌّ يبول الثُّعْلُبان برأسه * لقد هانَ مَنْ بالَتْ عليه الثعالبُ
والمُصْلِح. وزاد بعضُهم أنه بمعنى الصاحب وأنشد:
43- قَدْ ناله ربُّ الكلاب بكفِّه * بيضٌ رِهافٌ ريشُهُنَّ مُقَزَّعُ
والظاهرُ أنه هنا بمعنى المالك، فليس هو معنى زائداً، وقيل: يكون بمعنى الخالق.
واختلف فيه: هل هو في الأصل أو مصدرٌ؟ فمنهم مَنْ قال: هو وصفٌ ثم اختلف هؤلاء في وزنه، فقيل: هو على وزن فَعَل كقولك: نَمَّ يَنُمُّ فهو نَمٌّ، وقيل: وزنه فاعِل، وأصله رابٌّ، ثم حُذفت الألف لكثرةِ الاستعمال، كقولهم: رجل بارٌّ وبَرٌّ. ولِقائلٍ أن يقول: لا نُسَلِّم أنَّ بَرَّاً مأخوذٌ من بارّ بل هما صيغتان مستقلتان فلا ينبغي أن يُدَّعى أن ربَّاً أصله رابٌّ. ومنهم من قال: هو مصدَر ربَّهُ يَرُبُّه رَبَّاً أي مَلَكَه، قال: "لأَنْ يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبُّ إليَّ أن يَرُبِّني رجلٌ من هوازن"، فهو مصدَرٌ في معنى الفاعل، نحو: رجل عَدْلٌ وصَوم، ولا يُطلق على غير الباري تعالى إلا بقيدِ إضافة، نحو قوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} ويقولون: "هو ربُّ الدار وربُّ البعير" وقد قالَتْه الجاهلية للمَلِك من الماس من غير قَيْدٍ، قال الحارث بن حلزة:
44- وهو الربُّ والشهيدُ على يَوْ * مِ الحِيَارَيْنِ والبلاءُ بلاءُ
وهذا من كفرهم.
وقراءةُ الجمهور مجروراً على النعت لله أو البدل منه، وقُرئ منصوباً، وفيه ثلاثةُ أوجه: إمَّا [منصوبٌ] بما دَلَّ عليه الحمدُ، تقديره: أَحْمَدُ ربِّ العالمين، أو على القطعِ من التبعِيَّة أو على النداء وهذا أضعفُها؛ لأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين الصفةِ والموصوف. وقُرئ مرفوعاً على القَطْعِ من التبعيَّة فيكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي هو ربُّ.
(1/25)
________________________________________
وإذا قصد عُرِض ذِكْرُ القَطْعِ في التبعية فلنستطرِدْ ذكرَه لعمومِ الفائدةِ في ذلك: اعلم أن الموصوف إذا كان معلوماً بدون صفتهِ وكانَ الوصفُ مدحاً، أو ذَمَّاً أو ترحُّماً جاز في الوصفِ [التابع] الإتباعُ والقطعُ، والقطعُّ إمَّا على النصب بإضمار فعل لائقٍ، وإمَّا على الرفع على خبر مبتدأ محذوف، ولا يَجُوز إظهارُ هذا الناصبِ ولا هذا المبتدأ، نحو قَولِهم: "الحمدُ لله أهلَ الحمدِ" رُوِي بنصب "أهل" ورفعِه، أي: أعني أهلَ أو هو أهلُ الحمد. وإذا تكَرَّرت النعوتُ والحالةُ هذه كنتَ مخيَّراً بين ثلاثةِ أوجهٍ: إمّا إتْباعِ البعضَ وقَطَعْتَ البعضَ وجب أن تبدأَ بالإتباع، ثم تأتي بالقَطْعِ من غير عكسٍ، نحو: مَرَرْتُ بزيد الفاضلِ الكريمُ، لئلا يلزمَ الفصلُ بين الصفة والموصوف بالجملة المقطوعة.
(1/26)
________________________________________
والعالمين: خفضٌ بالإضافةِ، علامةُ خفضِه الياءُ لجريانه مَجْرى جمعِ المذكرِ السالمِ، وهو اسمُ جمع لأن واحدَه من غير لفظِه، ولا يجوز أن يكونَ جمعاً لعالَم، لأنَّ الصحيحَ في "عالَم" أنه يُطلَقُ على كلِّ موجودٍ سوى الباري تعالى، لاشتقاقِه من العَلامة بمعنى أنه دالٌّ على صانعه، وعالَمون بصيغة الجمع لا يُطلق إلا على العقلاء دونَ غيرهم، فاستحالَ أن يكونَ عالَمون جمع عالَك؛ لأن الجمع لا يكون أخصَّ من المفرد، وهذا نظيرُ ما فعله سيبويه في أنَّ "أعراباً" ليس جمعاً لِ "عَرَب" لأن عَرَباً يُطلق على البَدَويّ والقَرويّ، وأعراباً لا يُطلق إلاَّ على البدوي دون القروي. فإنْ قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون "عالَمون" جمعاً لـ "عالَم" مُراداً به العاقلُ دونَ غيره فيزولَ المحذورُ المذكورُ؟ أجيبَ عن هذا بأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال: شَيْئون جمع شَيء مراداً به العاقلُ دونَ غيره، فدلَّ عدمُ جوازِه على عَدم ادِّعاء ذلك. وفي الجواب نظرٌ، إذ لقائلٍ أن يقول: شَيْئون مضنَعَ مِنه مانعٌ آخرٌ وهو كونُه ليس صفةً ولا علماً، فلا يلزم مِنْ مَنْعِ ذلك منعُ "عالَمين" مراداً به العاقلُ، ويؤيِّده هذا ما نقل الراغب عن ابن عباس أن "عالَمين" إنما جُمع هذا الجمعَ لأنَّ المرادَ به الملائِكةُ والجنُّ والإنسُ، وقال الراغبُ أيضاً: "إن العالَم في الأصل اسمٌ لما يُعْلَم به كالطَابَع اسمٌ لما يُطْبَعُ به، وجُعِل بناؤه على الصيغةِ لكونِه كالآلة، فالعالَمُ آلةٌ في الدلالة على صانعهِ"، وقال الراغب أيضاً: "وأمَّا جَمْعُه جَمْعَ السلامةِ فلكونِ الناسِ في جملتهم، والإنسانُ إذا شارك غيره في اللفظِ غَلَب حكمُه"، وظَاهرُ هذا أن "عالَمين" يُطلَق على العُقلاءِ وغيرهم، وهو مخالفٌ لِما تقدَّم من اختصاصِه بالعُقلاءِ، كما زَعَم بعضُهم، وكلامُ الراغبِ هو الأصحُّ الظاهرُ.

* { الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ }
***
لقراءة المزيد: الرجاء تنزيل الملف وقراءة المجلدات التسعة
*************


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14554038
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة