فضائل العثمانيين؛ يرحمهم الله تعالى؛ في عَهديّ السلطان: أبايزيد الثاني، وولده السلطان: سليم الأول
د.محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن

العثمانيون على الجبهة الغربية
تطاولت بولونيا على إمارة "بُغدان: مولدوفيا" الخاضعة للحماية العثمانية فتصدّى لها أمير لواء سليستره "بالي بك مالقوج أوغلى"، وقاد ضدّ البولونيين حملتين عسكريتين سنة 904 هـ/ 1498م فهرب ملك بولونيا في معركة بوكوفينا، ودخلت القوات العثمانية مدن بولونيا: "لوبلين ورادوم وجاروسلاو ولووو، والعاصمة كراكوف، ووارسو"، ولم يَعُدْ يفصل بين قواته وسواحل بحر البلطيق سوى 220 كيلو متر. وسيطر على منابع نهريّ دنيستر، وسان، فأعلنت المجر والبندقية الحرب على العثمانيين، فتصدّى لهما إسكندر باشا واجتاح دلماسيا سنة 1499م، واجتاز نهر "آق صو: تيغليمنتو إسونزو" ودخل سهل البندقية، فاجتاز نهر برينتا وفتح مدينتي بادوفا، وفينزا، وبذلك اجتاز خط الطول" 11، وبلغ مجموع المواقع التي اجتاحتها تلك الحملة 130 موقعاً من المدن والقرى، وكانت تلك أكبر هزيمة تتعرض لها جمهورية البندقية، ولكن التحالف الأوروبي ضد العثمانيين توسَّع سنة 1499م، وضمَّ البندقية والمجر وبولونيا ودولاً صغيرةً تتبعُ البابوية مثل جزيرتيّ رودس؛ ومالطة، ودخلت التحالف ألمانيا ولكنها ضعفت حينما انفصل عنها الاتحاد السويسري وشكل دولة مستقلة.
حروب أبايزيد الثاني
قَتَلَ والي البندقية في كورفو "أندريه لورينادو" الأسرى العثمانيين ومثَّل بجثثهم، فقاد السلطان أبا يزيد الثاني حملة همايونية ضد البندقية واليونان سنة 905 هـ/ 1499م، وحاصرت البحرية العثمانية جزيرة قبرص، وأسرت والي كورفو أندريه لورينادو، وقاصصته على ما فعل بالأسرى العثمانيين، وفي نفس الوقت اصطدم قسمٌ من الأسطول العثماني بقيادة كمال رئيس بالأسطول البندقي بقيادة الأميرال أنطونيو كريمالدي، وذلك على مسافة قريبة من جزيرة سابينيزا إلى الغرب من رأس مورا الجنوبي الغربي، واشتركت في المعركة 400 سفينة من الطرفين، ولما أحاطت سفن البندقية بسفينة قائد جناح الميمنة "بُراق رئيس" وحاولت أَسْرَهُ فجَّرَ مُستودع البارود الذي كان في سفينته فاستشهد هو ومَن معه في السفينة، ولكنه دمَّر وأغرق القسم الأكبر من سفن أسطول البندقية المحيطة بسفينته، وقتل الأدميرالان البندقيان: أرمينيو؛ ولوريدانو، وتشتت الأسطول البندقي فغرق مَن غرق، وهرب مَن نَجَا في 28 – 7 – 1499م، وأطلق الأتراك على جزيرة سبينيزا اسم: جزيرة براق رئيس، وحاصر العثمانيون لابانتو مدة شهر ونَيّف ثم فتحوها في 30 -8- 1499م، فالتف البنادقة على جزيرة كفالونيا، وحاولوا أخذ "بريفيزا" لكن الأسطول العثماني لاحقهم وشتتهم، وقاد السلطان أبايزيد الثاني حملة من أدرنة في نيسان سنة 906 هـ/ 1500م، وجاء مع الأسطول العثماني إلى قلعة مودون البندقية في جنوبي الْمُورا فاستسلمت قلاع "نافارين وفنار وميلونا ومودون وكورون"، وبذلك تَمّت تصفية قواعد البندقية في المورا، فأرسلت فرنسا لنجدة البندقية حملةً بحرية بقيادة الأدميرال ريفنستين تضم عشرة آلاف بحار، فحاصروا قلعة ميدللي مدة نصف سنة 1501م، ثم هرب الأسطول الفرنسي عندما هاجمه الأسطول العثماني، وغرقت السفن الفرنسية قرب جزيرة "جيرغيو: جوها" الواقعة جنوب غرب المورا، ونجا من الفرنسيين الهاربين عدد محدود للغاية، ثم أخذ العثمانيون قلعة "دراج: دراتش" آخر قلعة للبنادقة في ألبانيا، وذلك في 13-8- 1502م.

الهدنة الأوروبية العثمانية
بعدما حقَّقَ العثمانيون انتصاراتهم على الجبهات الأوروبية طلبت البندقية الصُّلحَ مع العثمانيين فوافق العثمانيون على طلبها، وعُقدت معاهدة إسطنبول في 14- 12- 1502م، ولم يبقَ للبندقية سوى جزيرة كافالونيا، ثم عُقدت معاهداتُ السلطنة العثمانية مع المجر وفرنسا وانجلترا وإسبانيا وبولونيا والبرتغال ونابولي ورودوس في 20 آب/ أغسطس سنة 1503م، وكان سبب قبول العثمانيين بتلك الاتفاقيات هو تأمين هدنة على الجبهة الغربية للتفرغ للتهديد الصفوي على الجبهة الشرقية بعدما استباح الصفويون دماء العديد من سكان الدول الإسلامية التي طلبت الحماية العثمانية، وتفاقمت الأزمة حينما تجرّأ مصطفى بك قره مان أوغلى، وهجم معه التركمان من تبريز على "لارندة: قره مان" فتصدى له الأمير شاهنشاه بن السلطان أبايزيد الثاني فطرده منها، فهرب إلى طرسوس، ولجأ إلى المماليك، فأمر السلطان المملوكي بقتله لاتقاء شرور الحرب مع العثمانيين، ولكنّ تَجمُّع طوائف الأناضول حوله نبّه الأمير سليم بن أبايزيد الثاني إلى خطر طوائف قزل باش في مناطق الأناضول، فبدأ يترصدها ويُعدّ العدّة للتصدّي لها.

السلطان أبايزيد الثاني
وُلِدَ السلطان أبا يزديد الثاني سنة 851 هـ/ 1447م، وتسلطن بعد والده السلطان محمد الفاتح في اليوم الأول من ربيع الثاني سنة 886 هـ/ في العشرين من أيار/ مايو سنة 1481م، وانتهى من فتنة تمرَّد أخيه الأصغر الأمير جَمّ الذي مات في إيطاليا سنة 902 هـ/ 25- 2- 1496م،
وعانى السلطان أبايزيد من الحرب العثمانية - المملوكية من سنة 1485م حتى سنة 896 هـ/ 1490م، ثم هادن المماليك، وأرسل أسطولاً عثمانياً إلى سواحل صقلية التابعة لمملكة أسبانيا سنة 893 هـ/ 1487م، ودخلت السلطنة العثمانية الحرب ضد أربع ممالك هي: قشتالة وأراغون ونابولي وصقلية، وهاجم كمال رئيس القوات الإسبانية في سواحل وجزر البحر الأبيض المتوسط، ثم أرسله السلطان أبا يزيد سنة 916 هـ/ 1510م لنجدة ثوار مسلمي الأندلس، فقدّم لهم النجدة، واستشهد كمال رئيس حينما غرقت سفينته قرب قاعدة غاليبولي في 16- 1- 1511م أثناء عودته من سواحل إسبانيا.

2
تعيين الولاة
عين السلطان أبايزيد الثاني أولاده الثلاثة ولاةً، إذ تولى كركود شرقي الأناضول، وتولى أحمد "أماسيا: خرشنة"، وتولى سليم ولاية طرابزون، وتولى حفيده سليمان بن سليم مدينة "كفَّه" في شبه جزيرة القرم التي تتبع أوكرانيا حالياًّ. وكان الأمير سليم أرغبهم بالحروب، والتصدي لأعداء السلطنة العثمانية في الداخل والخارج، ولذلك أبدى رغبته بتولى إحدى ولايات البلقان الحدودية ليمارس القتال على الجبهة الغربية، وكان له الكثير من المؤيدين البواسل، ولكن السلطان أبايزيد الثاني المتصوّف حال دون تحقيق رغبة الأمير سليم، ولذلك رفض الأمير تسلُّم ولاية طرابزون، وانتقل إلى ولاية ولَدِهِ سليمان "القانوني" في كفَّه بجزيرة القرم، وحينذاك طمع الشاه إسماعيل الصفوي بالسلطنة العثمانية لأن السلطان أبايزيد الثاني كان مسالماً يكره إراقة الدماء، وكان متصوفاً ناسكاً، ولذلك استغلَّ الوضعَ الشاه، وقام بحملة تشييع التركمان في الأناضول، واخترقت الخلايا الباطنية الجيش الإنكشاري من خلال أتباع الطريقة البكتاشية وثيقة الصلة بالطريقة الصفوية مما شكل خطراً حقيقياَّ على وجود السلطنة العثمانية، وبلغت الوقاحة بالشاه درجة طلب الزواج بالإكراه من إحدى بنات عبد الدولة بوزقورد بك أمير ذي القدرية "السُّنية" فرُفض طلبه سنة 913 هـ/ 1507م، فاجتازت قواتُ الشاه الحدودَ العثمانية، وغزت إمارة ذي القدرية، ونبشَ الشاهُ جميع قبور أمراء ذي القدرية وأحرق عظامَهم، مما أغضب الأمير سليم بن السلطان أبايزيد الثاني بسبب ما حلَّ بأخواله، إذْ أنَّ عائشة خاتون بنت علاء الدولة ذي القدرية هي أمُّ الأمير سليم، ولذلك أورثته تلك النكبةُ الحقدَ على الصفويين الذين حرقوا عظام أخواله، واستاحوا حرماتهم دون مراعاة لأحد.

ردّ الفعل على تطاول الشاه
لم يصدُرْ عن الدولة المملوكية في مصر والشام ردُّ فعلٍ يُذكر على تجاوزات الشاه إسماعيل رغم أن إمارة ذي القدرية تتمتّع بالحماية المملوكية، كما أن السلطان أبايزيد الثاني لم يتخذ الموقف المطلوب إزاء ما حلَّ بأهل زوجته وأتباع مذهبه، ولما سكتت الدولتان المسلمتان السُّنيّتان عن جريمة الشاه الصفوي ارتفعت أسهمُهُ سنة 914 هـ/ 1508م، وقويت شوكة أتباعه من القزل باش والبكتاشية، وبدؤوا إعداد العدّة للقضاء على العثمانيين والمماليك لإحياء السيطرة "العُبيدية: الفاطمية" في مصر والشام، والبويهية في العراق، وإحياء إمارات الطوائف في الأناضول حسبما كانت عليه بعد انتصار تيمور لنك على السلطان أبايزيد الأول سنة 1402م. وكان هدفُهم من ذلك القضاء التام على المذاهب الإسلامية السُّنية، واستبدالها بالصفوية، ولو أدى ذلك إلى إبادة ملايين المسلمين.


ردّ فعل الأمير سليم
راقب الأميرُ سليم الأمور بشكل تام، فانتقل من كفَّه في جزيرة القرم إلى طرابزون، وشكّل مجموعات من خاصَّةِ خاصَّتِهِ، وأرسلهم إلى الأناضول على شكل دروايش، ولبسوا إشارات البكتاشية والقزل باش، واخترقو التكايا الباطنية في الأناضول، فاكتشفوا كافة مُخططات الشاه إسماعيل وعملائه في الأناضول، وفي صفوف الجيش الإنكشاري، وحتى المتسللين إلى الطرق الصوفية الإسلامية السُّنية، ولما وقف الأمير سليم على تلك المعلومات بدأ حملة تنظيف الجهاز الحكومي العثماني من عملاء الصفويين.
ومن ناحية أخرى استدعى الأمير سليم "الغنامة البيض: آق قويونلى" وسلطانَهم مراد إلى طرابزون بعدما فتكَ بِهِمْ الشاهُ إسماعيل وطردهم من عاصمتهم تبريز، فمنحهم الأمير سليم بيوتاً وامتيازات، فتعاونوا معه ضدّ الشاه إسماعيل، فجيّش الأمير سليم جيشاً من أتباعه العثمانيين، وقاد ثلاث حملات على بلاد "كُرجستان: جورجيا" سنة 914 هـ/ 1508م، ففتح 15 قصبة من القصبات التي مازالت تركية حتى الآن في ولايات قارس وأرضروم وآرتوين، كما فتح آهيسكا وآخيلكلك اللتين تقعان حاليا في جورجيا، وقد أسلم جميع الكُرج سكان تلك القصبات، ثم استردَّ الأمير سليم بعضَ مُمتلَكاتِ دولة "الغنامة البيض: آق قويونلى" في بايبورت وأرزنجان وكوموش خانه و"طونجلي: جميشكزك"، وأضاف تلك المناطق إلى ولاية طرابزون العثمانية التي يتولاها.

ردود الفعل الصفوية
لم يسكت الشاه إسماعيل على ردود فعل الأمير سليم، فأرسل جيشاً صفويًا بقيادة أخيه "إبراهيم ميرزا" لاسترجاع تلك الولايات، فتصدَّى له الأمير سليم دُون أن يستأذن من والده السلطان أبايزيد الثاني، واصطحب معه في تلك المعركة ولدَهُ الوحيد سليمان القانوني الذي كان في الثانية عشرة من عمره، والتقي الجيشان العثماني والصفوي في معركة تصامية قرب مدينة أرزنجان، فانتصر الجيش العثماني، وأُسر إبراهيم ميرزا الصفوي وعددٌ كبير من الصفويين، وبدأت أسهُمُ الأمير سليم بالارتفاع فقِيلت القصائدُ في مديحه بأنواعها الفُصحى والعامية الأُسطورية.
وأرسل الشاه إسماعيل بشكوى إلى السلطان أبايزيد الثاني ضدَّ الأمير سليم، فأصدر السلطان أمراً بإخلاء سبيل الأسرى الصفويين، وعلى رأسهم إبراهيم ميرزا شقيق الشاه إسماعيل، وأمر بالتخلي عن المناطق التي أخذها الأمير سليم من الصفويين في ولايتيّ آرزنجان وبايبورت؛ ومنطقتيّ كماه وإيسبر، وإعادتها إلى الصفويين. فالتزم الأمير سليم بتنفيذ الأوامر السلطانية، ولكنه تحفّظ عليها، فأعلن أن هذه الأوامر تعني: إنعدام الشرف وضياع الكرامة، ونظراً لذلك الأمر المشؤوم الذي كانت وراءه بطانة السلطان الباطنية المتغلغلة بين المتصوفة والإنكشارية، فقد حدثت بلبلةٌ كُبرى في صفوف العثمانيين، وأصبح السلطانُ وبطانته في وادٍ، والأميرُ سليم وأتباعه من الجيش والمواطنين العثمانيين في وادٍ آخر.
إمارة الأمير سليم
نفذ الأمير سليم أوامر والده السلطان أبايزيد، ولكنه غضِب غضباً شديداً، وغادر مقرّه في طرابزون، وانتقل إلى شبه جزيرة القِرم سنة 916 هـ/ 1510م، وادّعى أنه اشتاق لولدِهِ الوحيد سليمان والي شبه جزيرة القِرم، وذلك من باب التهكُّم، وهنالك حصلَ الأمير سليم على دَعْمِ وتأييدِ والِدِ زوجتِهِ الخان منكلي كيراي، خان شبه جزيرة القرم، وازدادت شعبية الأمير سليم فخشي أخوته أن يستوليَ على السلطنة، فبدأت الحركات المضادة للأمير سليم، حيث طُلب منه أن يعود إلى ولاية طرابزون، ولكنه رفض الأوامرَ السلطانية، وفوْقَ ذلك جيّشَ جيشاً، وانتقل إلى أوروبا الشرقية: رومللي، وتقبّل والدُهُ السلطانُ الأمرَ الواقع سنة 1511م، وعيَّنَ الأمير سليماً والياً على خمسة ألوية بلقانية هي: زفوزنيك، وآلاجه حصار و"نيغوبولي: نيكوبوليس" وسمندرة، و"فيدين: ويدين". وبذلك أنشأ الأميرُ سليم قاعدةً صلبة لحكمِه على الضفاف الجنوبية لنهر "الدانوب: الطونة".
اضطرابات الأناضول
عندما كان الأمير سليم يوطِّدُ أركانَ إمارته في البلقان كانت الأناضول مسرحاً للاضرابات والقلاقل التي يثيرُها عملاء الصفويين، وأصحابُ البِدع والمطامع، وكانت أفظع الفتن فتنة أنطالية التي أثارها المدعو "شاه قُوْلُوْ" وهو وهو ابن حسن؛ خليفة حيدر الصفوي من طائفة "تكّة التركمانية" وكلمة شاه تعني: الشاه الصفوي، وكلمة قُوْلُوْ تعني: عبد، غلام، مولى. وقد عُرِفت لشاه قولو عدّةُ أسماء حركية في الكتب العثمانية القديمة والتركية الحديثة، نذكر منها: شاه قولو، وبابا تكّلي، وشيطان قولو، و(قَرَهْ بِيْقلِي أُوْغلُى: ابن صاحب الشنب الأسود).
"Şahkulu, Baba Tekeli, şeytan Kulu, Karabıklıoğlu"
وقد نشأ "شاه قولو" برعاية والده المرتبط بالصفويين وتنظيمات قزل باش السرية، واندسّ في جيش الخيالة السباهية العثماني في شبابه، ولما بدأت السلطنة بكشفِ بعض خيوط التنظيمات الصفوية السرية هرب شاه قولو إلى إيران بناءً على رغبة الشاه حيدر، فتمّ تدريبُه وتعليمه أساليب العمل السري، حتى أصبحَ "خليفة من خلفاء الشاه الباطنيين" وحاز رُتبة عالية في تنظيم موالي مخابرات الفدائيين الصفويين السريين، ثم عاد خِلسة إلى الأناضول، وبدأ هو ووالدُه بتجميع الأتباع الباطنيين، وراحوا يعقدون اجتماعاتهم السرية في مغارة بجانب قرية "يَاْلِمْ" بقضاء كركوتلي عند أطراف مدينة أنطالية التركية، وتظاهر شاه قولو وأبوه بالتنسّك والعبادة، وأبطنا الغدر بالعثمانيين، وجمعا حولها كثيرا من الأتباع الجهلة، والقزلباشية والبكتاشية، والناقمين على العثمانيين، وكما كانا يُقدِّمان الخدمات لحيدر الصفوي، وبعد موته تابعا تقديم الخدمات للشاه إسماعيل، فاتصلا بالأتباع في الأناضول، وكذلك اتصلا بأتباعهما في البلقان "الرومللي"، بمناطق سيرز وسلانيك اليونانية و"ينجي زغره" وفيلبي البلغارية وصوفيا، والعديد من مناطق البلقان الأخرى التي يتواجد بها أتباع البكتاشية والقزل باش والقلندرية والْحُرُوفية والأرنؤوط، وادَّعى شاه قولو أن عدد أتباعه تجاوز العشرة آلاف في بلدان السلطنة العثمانية. وقد نشر شاه قولو الفساد الأخلاقي بين أتباعه إذ قال بعدم وجود الحرام والحلال، وأباح كافة الممارسات اللاأخلاقية دون عقود شرعية ضمن تشكيلاتهم السرية، كما أباح لأتباعه نَهْبَ ممتلكات الأخرين الذين لاينخرطون في تنظيماتهم السرية.

المناوشات الحربية
صدرت تعليمات الشاه إسماعيل إلى أتباع تنظيماته السرية بمباشرة إثارة الفتن داخل السطنة العثمانية في محاولة لمعرفة مدى قوة تماسك السلطنة، وبناءً على ذلك قام أتباعُ "شاه قولو" بمهاجمة موكب الأمير كُوركوت بن السلطان أبا يزيد الثاني عندما كان ينتقل من أنطاليا إلى مانيسا، وحاولوا نهب خزينته لكنهم فشلوا، وبدأت جرائمهم الكبرى باغتيال قاض أنطاليا العثماني، ثم بدأ تنفيذُ اغتيالات معارضي الصفويين في مناطق ( قزلجه قايا، وإستانوس، وإلمالي، وبوردور، وكيجي بورلو)، وحضر المتمردون بقيادة "شاه قولو" إلى كوتاهيه بهدف السيطرة على إمارة قره مان وعاصمتها قونيا، فتصدى لهم بيلر بيك الأناضول "أحمد باشا قره كوز" بقوة عسكرية قليلة لأنه لم يعبأ بالمتمردين، فانتصر عليهم، لكنهم أعادوا تجميع قواتهم وقتلوا البيلر بيك أحمد باشا، ودمروا مدينة كوتاهية وحرقوها، واستباحوا الدماء والأعراض ونهبوا الممتلكات، وحينذاك أرسل الأمير كوركوت بن أبايزيد رسالة إلى والده السلطان يعلمه بجرائم أتباع شاه قولو، فأمر السلطان الصدر الأعظم خادم علي باشا، ووالي أماسيا الأمير أحمد بن أبايزيد الثاني أن يقودا حملة عسكرية للقضاء على المتمردين، فحاصرت القوات العثمانية المتمردين في جبل "قزل قايا: الصخرة القرمزية" مدة 38 يوماً، ولكن "شاه قولوا" وأتباعه الذين لم يُقتلوا استطاعوا فتح ثغرة، وفروا من خلالها باتجاه "بيه شهر"، وقتلوا حيدر باشا بيلر بك إمارة قره مان، ولكن الصدر الأعظم خادم علي باشا لاحقهم بمجموعة مكونة من 500 عسكري مسلحين بالبواريد، وطاردوهم مدة 14 يوما، وقُبِض على "شاه قولو" في "كديك خان" قرب سيواس، وشارك في المطاردة الشرسة الأمير علاء الدين بن الأمير أحمد بن السلطان أبا يزيد الثاني، فقُتل "شاه قولو"، وقُتل الصدر الأعظم خادم علي باشا بسهم من سهام المتمردين، وأصبحت القوتان بدون قيادات، فهرب عناصر "القزل باش" بسرعة إلى إيران، وتشجَّع الصفويون وتجاسروا على السلطنة العثمانية غير الحازمة؛ حينما رأوا أن مجموعة من المتمردين استطاعت قتل الصدر الأعظم وغيره ونجا قسمٌ منها، وقرروا استغلال رحمة السلطان أبايزيد الثاني من أجل إلغاء السلطنة العثمانية وتحويل سكانها إلى صفويين، وعلى الجانب العثماني ظَهَرَ ضعفُ الأميرين كوركوت وأحمد عسكرياًّ، وبرزت الحاجةُ الماسّةُ إلى تدخُّل الأمير سليم لإنقاذ السلطنة العثمانية من الضياع.

تنازُل السلطان أبايزيد
سار الأمير سليم إلى أدرنه، وأعلن نفسه سلطاناً عليها، فحاربه أبوه وهزمه في 3 آب/ أغسطس 1511م، ففرَّ سليم إلى شبه جزيرة القرم، ثم عفا عنه والده السلطان، وقرَّر التنازل عن الحكم لولده سليم سنة  918 هـ/ 24 نيسان 1512م لأنه الأمير الوحيد الذي يُعوَّلُ عليه في دفع الفتنة الصفوية، وردِّ غائلتها عن السلطنة العثمانية.
وقرَّر السلطانُ أبايزيد الثاني أن يعتكف في مدينة ديموتوقا، فغادر إسطنبول وهو مريض، فتوفي على الطريق بعد مسير 32 يوما في قرية آبالار في قصبة "حوصة: حفصة" في 26 أيار/ مايو سنة 1512م بعدما حكم 30 سنة و11 شهرا و22 يوماً، وقَبْلَ سلطنته شَغَلَ منصِبَ ولي عهد والده السلطان محمد الفاتح مدة 30 سنة وشهرين و28 يوما، وكانت ولادته سنة 1448م، وكان من أعلم علماء سلاطين آل عثمان بعد والده محمد الفاتح. وقد وسَّعَ مساحةَ السلطنة مقدار 160 ألف كيلو متر مربع، فبلغت مساحتها غداة وفاته: 2273000 كيلو متر مربع.

السلطان سليم الثاني
وُلِدَ السلطان سليم الثاني سنة 875هـ/ 1470م وتوفي سنة 926 هـ/ 1520م، وكان تسلسله السادس بين أخوته الثمانية، وكان عدد شقيقاته 19، ولكن أخوته الذكور قد ماتوا أثناء حياة والدهم ولم يبق منهم سوى أحمد (1466 – 1513م) و"قورقود: كوركود" (1467 – 1513م) وكانت أم السلطان سليم عائشة خاتون أميرة من بنات ذي القدرية، وقد توفيت سنة 911 هـ/ 1505م، وذلك أثناء ولايته على ولاية طرابزون قَبْلَ سلطنته، واشتهر السلطان سليم بالشجاعة والجسارة الخارقة منذ صغره فأطلق عليه العثمانيون لقب "ياووز" "Yavuz" ومعناه: الشديد القاسي الصَّلب، وكان عالي الهمَّة حاضر البديهة لا يُخدع، وقد شارك في الحروب أثناء حياة والده، وتفوّق على أخوته بقيادته للحملات العسكرية ضدَّ الصفويين، وفتحِهِ العديد من ولايات آذربيجان وجورجيا بمبادرة شخصية سنة 914 هـ/ 1508م، مما أثار حفيظةَ حُسّاده، وخشيةَ أخوته الذين يرغبون بتولي السلطنة، وتسببت له طموحاته بالمتاعب أثناء حياة والده، ولكنَّ السياسة العالمية جرتْ لصالحه إذ أصبح توليه السلطنة العثمانية ضرورةً لابدّ منها باعتباره الوحيد القادر على الردِّ على أعدائها الخارجيين والداخليين بسبب مزاياه الشخصية غير المتوفرة لدى شقيقيه الأكبرين أحمد وكوركود، وهذا ما دفع والدَه وأهلَ الحلّ والعقد إلى تقريرِ تنازُلِ السلطان أبا يزيد الثاني عن السلطنة وإسنادها إلى ولده الأصغر سليم الثاني في 8 صفر سنة 918 هـ/ 24 نيسان/ إبريل سنة 1512م في ظلِّ أوضاع سياسية عالمية مُعقّدة بسبب امتداد سيطرة الأوروبيين على الأقطار الإسلامية في الأندلس وشمالي إفريقيا، وسيطرتهم على طريق رأس الرجاء الصالح وتهديدهم لمسلمي آسيا بالإضافة إلى الخطر الصفوي في بلاد فارس، والتحالف الأوروبي الصفوي الهادف إلى تدمير السلطنة العثمانية وأتباعها من المسلمين، وقد أرخ محمد بيرم الخامس التونسي تاريخ استلام السلطان سليم السلطنة شعراً فقال في كتابه: صفوة الاعتبار، ج:5، ص: 48 طبعة المقتطف بمصر سنة 1311 هـ:
وتاسِعُهم مِفتاحُ فَتْحِ مَمَالِكٍ // غدَتْ في جَبينِ الدَّهرِ غُرَّةَ أدْهَمِ.
سَليمُ الذي قدْ حَلَّ بِالشَّاهِ بَأسُهُ // فأدْبَرَ يَطْوِي الأرْضَ مِنْ قُرْبِ جَهْضَمِ. سنة 918هـ.
الحروب العائلية
بعد وفاة السلطان أبايزيد الثاني بدأت متاعبُ ولدِهِ السلطان سليم الأول
لأنّ أخويه تمرّدَا عليه بعد وفاة والدِه، وشكّ السلطان سليم بنوايا أخيه كوركود والي (تكّة وحميد وأنطالية وإسبارطة الأناضولية وميدللي)، فأمر السلطان سليم بعضَ حاشيته بمراسلةِ كوركود، وعَرْضِ التعاون معه للإطاحة بالسلطان سليم، وبلَعَ كوركود الطُّعمَ، فأجاب على الرسائل التآمرية بالموافقة التامّة، واستمرّت المراسلات الْخَدّاعة، وتضمّنت خططَ الإطاحة بالسلطان سليم، وساعدت تلك المراسلات السلطان سليم على اكتشاف المزيد من المتآمرين عليه من عُملاء الصفويين السريين من القزل باش والبكتاشيين، وغيرهم من العملاء السريين الناقمين على السلطنة، فقام السلطان سليم بتصفية المتآمرين، واعتقل أخاه كوركود، وحُكم عليه بالإعدام لتآمره على السلطان، وذلك في 17- 3- 1513م.
وبعد وفاة السلطان أبايزيد الثاني استقلّ ابنهُ الأكبر أحمد عن سلطنة سليم، وأعلنَ سلطنته بولاية "قره مان:قونيا" وتوابعها، واستعان بالشاه إسماعيل الصفوي وأعوانه من البكتاشية والقزل باش، وأيّده سراًّ الصدر الأعظم قوجا مصطفى باشا؛ وأتباعه من البكتاشية المندسِّين ضمن صفوف الإنكشارية، فتصدَّى السلطان سليم لأخيه، وطارده هو وأعوانه إلى "أماسيا" خرشنة" ثم ملاطية، ولكن المتآمرين أحدثوا خللاً في صفوف قوات السلطان سليم مما أضعفها، فتجرأ عليه أخوه أحمد، وهاجمت قواته مدينة بورصة، فتصدى له السلطان سليم والتقيا في معركة تصادمية في سهل يني شهر قرب بورصة في 24- 4- 1513م، فانتصر السلطان سليم؛ ولقى أخوه أحمد مصرعه، وتشتت شملُ أنصاره، ودُفن في مدينة بورصة، واكتشف السلطان سليم المراسلات السرية بين رئيس وزرائه الصدر الأعظم قوجا مصطفى باشا وأخيه السلطان أحمد، فأمر بإعدام الصدر الأعظم، وعين محلّه في الصدارة  أحمد باشا هرسك زاده، وأَعدَمَ كذلك عدداً من قادة الإنكشارية الذين انخرطوا في تنظيم البكتاشية السري الموالي للصفويين، وصفّى معهم عدداً من غير المخلصين للسلطنة الذين ثبت تعاونهم مع السلطان أحمد والصدر الأعظم والصفويين. وهرَب الأمير مراد بن أحمد وبعض الأمراء العثمانيين إلى إيران والتحقوا بالشاه إسماعيل الصفوي، والتحق البعض الآخر بالمماليك في مصر، ولم يبقَ بجوار السلطان سليم سوى ولده الوحيد سليمان القانوني البالغ من العمر 18 سنة، فعينه ولياًّ للعهد.

3
الجبهات الخارجية
تخلّص السلطان سليم من منافسيه على عرش السلطنة العثمانية، وتخلص من أعداد كبيرة من المتآمرين مع القوى الخارجية، وفي المقدمة عملاء الصفويين والمماليك والأوروبيين، وكلّف ولده الوحيد سليمان بحكم العاصمة إسطنبول ليتفرغ لتنفيذ مشروعه في إقامة سلطنة عالمية تضمُّ بلدان العالم الإسلامي كافّة للمحافظة عليها من الضياع كما ضاعت الأندلس، ولم تجد لها مُنقذًا من الدول الإسلامية التي كانت تتصارع بينما كانت أوروبا تتوحد خلف فرديناندو وإيزابيلا في قشتالة والأراغون حتى تمكَّنا من احتلال غرناطة سنة 898 هـ/ 1492م جرّاء عجز الدول الإسلامية عن تقديم النجدة، ثم اندفع الأوروبيون باتجاه شمالي إفريقيا وسط ترحيبِ العملاء بقوات الاحتلال.
ولذلك سارت سياسةُ السلطنة العثمانية في زمن السلطان سليم الأول باتجاه القضاء على الدولة الصفوية التي تتآمر مع البرتغاليين في منطقة الخليج العربي، وتثيرُ القلاقل على الجبهة الشرقية مما يُضعفُ الجبهة العثمانية الغربية، وبعد الفراغ من الدولة الصفوية يمكن ضمّ الدولة المملوكية، وحماية الأراضي المقدسة، وملاحقة أساطيل البرتغاليين الذين يجتاحون العالم الإسلامي من جهة الجنوب، ويهددون باحتلالِ المدينة المنورة، وأخذِ رُفات النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم رهينةً، وعدمِ تسليمها للمسلمين حتى يتخلّوا عن القدس وما حولها، ولذلك اتَّجَهت أنظارُ السلطان سليم أيضاً نحو دعم حركة الجهاد البحري في الشمال الإفريقي للقضاء على الإسبان في البحر الأبيض المتوسط، ومواصلة الدولة فتوحاتها في أوروبا من خلال جبهة البلقان الشرقية والجبهة الإفريقة بعد ضم دولة المماليك التي وصلت سنَّ الشيخوخة، وأصبحتتشكّل عبئاًّ على المسلمين، وتُعيقُ توحّدَهم.

وبما أن السلطان سليم قد قرّر توحيد العالم الإسلامي ابتداءً بالجبهة الشرقية فإنه رأى أن تأمين الجبهة الغربية ضرورياًّ ليتفرغ لبقية الجبهات، ولذلك قرر عقد معاهدات هدنة مؤقتة مع الدول التي توافق على ذلك، فانتقل إلى مدينة أدرنة عاصمة السلطنة العثمانية في البلقان الكبير، والتقى سفراء دول البندقية "فينيسيا"، والمجر، وموسكو، وسلطنة مصر المملوكية، وعقد معهم معاهدات هدنة وعدم اعتداء، وتعاون إقتصادي، ليتفرّغ لتنفيذ مخططه العالمي ابتداءً بالصفويين لأنه أخطر أعداء السلطنة العثمانية ومواطنيها.

الاستعدادات الداخلية والخارجية
بعدما قضى السلطان سليم على الطامعين بعرش السلطنة من الأمراء العثمانيين التَفَتَ إلى المتآمرين الآخرين، فقام بتصفية الخلايا السرية النائمة من البكتاشية والقزل باش؛ وغير ذلك من التنظيمات السرية التي تسترت بالطرق الصوفية مُستغلةً التسامح الصوفي، ويدّعي بعضُ الكَتَبَةِ أنه قتل وسجن في حملة التطهير تلك: 40000 من الباطنيين الذين كانوا يتآمرون عليه ضمن حدود سلطنته (أنظر دائرة المعارف الإسلامية: ج: 12 / ص: 122 ) وحينذاك تمّ تبادُل رسائل التهديد بين السلطان سليم والشاه إسماعيل الصفوي، وتبادل الأثنان قتل الرُّسل من حملة تلك الرسائل (ونُشرت تلك الرسائل في كتاب منشآت فريدون بك)، وبدأ كلٌّ منهما يستعدُّ لسحقِ عدوه عسكرياًّ، وإلغاء دولته وتبديل مذهب سكانها بمذهب المنتصر منهما، وقرّر الشاه إسماعيل التحالف مع الدول الأوروبية، فراسل البابا لاون العاشر (1513 – 1521م) مُقتفياً بذلك مخطط جدّه حسن أوزون "الآق قويونلى" الذي راسل سابقاً البابا سيكستُس الرابع (1471 – 1484م) للقضاء على السلطان محمد الفاتح جدّ السلطان سليم الأول، واصطدم معه في معركة أوطوق بلي سنة 878 هـ/ 1473م، وهكذا أعاد التاريخ التآمري نفسه بدقة متناهية وبصورة طبق الأصل مع فارق بزيادة قسوة السلطان سليم على أعدائه، وعدم تسامُحِه كما تسامحَ معهم السلطان محمد الفاتح سابقاً، وبالمقابل حرّض السلطانُ سليم عبيد خان أمير الأوزبكيين على حرب الشاه إسماعيل.
وعلِم السلطانُ سليم الأول أن الأقليات الأرمنية والرومية واليهودية، بدأت تثير القلاقل سراًّ في اسطنبول بناءً على أوامر خارجية، فقرّر أن يردَّ على محاكم التفتيش الإسبانية بالمثل، وأصدر أمره بتخيير الأقليات بين اعتناق الدين الإسلامي، أو ضرب أعناقهم بالسيف، وطلب الفتوى بذلك فعارضه شيخ الإسلام " المولى علي (علاء الدين) بن أحمد بن محمد الجمالي (جمال الدين) (الأقسرايي الرومي القره ماني)، المشهور بزنبيلي أفندي المفتي الأماسي فقيه الأتراك المستعربين (مشيخته من سنة 908 هـ/ 1503م حتى سنة 932 هـ/ 1525م)"، وكان شيخ الإسلام من كبار علماء عصره، فساءه قرار السلطان بحق الذميين لأنه يخالف تعاليم الإسلام، فقال للسلطان في قصره: سمعت أيها السلطان أنك تريد أن تُكرِهَ جميع الذميين على اعتناق الدين الإسلامي. فقال: أجل. إن ما سمعته صحيح. وماذا في ذلك ؟
فقال شيخ الإسلام: أيها السلطان؛ لا إكراه في الدين، ثم إن جدكم محمد الفاتح عندما فتح مدينة اسطنبول أعطي للجميع حرية العقيدة، فعليك باتباع الشرع الحنيف، واتباع عهد جدكم محمد الفاتح.
فقال السلطان سليم: يا علي أفندي؛ ألا تخبرني متى سينتهي تدخلك هذا في أمور الدولة؟ دعْ هذه الأمور لي يا شيخ الإسلام.
فقال الشيخ: إن من واجبي أن أرعى شؤون دنياك وآخرتك أيضاً، وأن أجنبك كل ما يفسد حياتك الأخروية، ولو اضطررت إلى سلوك طريق آخر.
فقال السلطان سليم: ماذا تعني ؟
فقال الشيخ: سأضطر إلى إصدار فتوى بخلعك أيها السلطان، بسبب مخالفتك للشرع الحنيف إن أقدمت على هذا الأمر بحقّ أهل الذمّة.
فأذعن السلطان سليم لرغبة شيخ الإسلام زنبيلي أفندي، وترجع عن قراره المخالف للشريعة الإسلامية، وبقيت الأقلياتُ غير المسلمة حرةً في عقائدها، وفي عباداتها، وفي محاكمها منذ فتح إسطنبول حتى الآن.

تأزم العلاقات الصفوية العثمانية
استولى الصفويون على العديد من بلدان منطقة الجزيرة التي كانت تشمل ديار ربيعة، وتمتد من الحضر إلى الموصل إلى نُصيبين إلى ماردين وجبل الجودي.كما تمتدّ إلى ديار مُضر، وحرّان وسُميساط، وسُروج وآمُد ومنابع دجلة وميافارقين وأرزن وحصن كيفا وإسعرد وديار بكر.
ونظر العثمانيون إلى التوسُّع الصفوي نظرة ارتياب، واعتبروها خطراً يهدِّد مستقبلَ وجودِهم الديني والسياسي والقومي والوطني، وشكَّلَ ذلك الصراعُ شِبهَ امتدادٍ للصراع (الذي استمرّ قروناً قبل الإسلام بين الأناضول الرومية النصرانية، وإيران الفارسية المجوسية)، ورغم خضوع المنطقتين لسلطة الخلافة الأموية ثم العباسية، وقبولِ الأكثرية السكانية لِلإسلام، فإنّ الصِّراعَ تجدّدَ ولكنَّهُ كان صِراعا مذهبياً بين السلطنة العثمانية المسلمة السُّنية والصفويين، ولم يقتصر الصراعُ على الخلاف الجدلي بل امتدَّ إلى ميادين القتال، وتصفية العسكريين والمدنيين في بعض الأوقات.

الاستعداد لمعركة جالديران
طَلَبَ الصفويون من المماليك التحالُفَ معهم ضِدَّ العثمانيين، وتآمروا مع الأمير أحمد ضدَّ والده السلطان أبايزيد الثاني، ثم ضدَّ أخيه السلطان سليم، وحركوا أتباعَهم لتدمير السلطنة العثمانية من الداخل كُلَّمَا لاحت لهم بوادِرُ ضَعْفِ السلطنة العثمانية، وتآمروا مع الدول الأوروبية ضدّ العثمانيين، ومرّتْ وفودُهم التي قابلت البابوية في الأراضي المملوكية، وعلِم العثمانيون بكل تلك المؤامرات فلما تمكَّن السلطان سليم من ترتيب جبهته الداخلية وطهَّرها، ورتَّبَ هدنةَ الجبهة الغربية قرَّر القضاء على الخطر الصفوي.
فأرسل السلطان سليم طلائعَ قوات الاستطلاع السري نحو الأناضول، وألبسَهم ثياب  دراويش البكتاشية وقزل باش، واخترقوا التنظيمات السرية، فاكتشفوا الخلايا الكثيرة التي أعدّها الصفويون لِلفتكِ بالجيش العثماني، وقَطْعِ خطوطِ الإمدادات بعد عبور الجيش مناطقهم، وقام عناصرُ المخابرات العثمانية وقوات الاستطلاع السري بحصر أعداد وأماكن عملاء الصفويين، وقُدِّمت كافة المعلومات للسلطان سليم الأول، فوضع خطَّةً مُحكمة لتصفيتهم أثناء عبوره مناطقهم، وأوكل تلك المهمة للقوات الخاصة "الصولاغية: مفردها: صولاغ" المرتبطة بالسلطان مباشرةً.

مسير الجيش العثماني
عَرَضَ السلطانُ أوضاعَ العلاقات العثمانية الصفوية السيئة على شيخ الإسلام علاء الدين بن أحمد (الأقسرايي الرومي القره ماني)، المشهور بزنبيلي أفندي، وطلب منه الفتوى الشرعية حيث وجَّهَ لهُ السؤال التالي: "إذا أراد قائدٌ مُسلِمٌ أنْ يستأصِلَ كافَّةَ الْمُلحدين بِمُساعدَة جماعةٍ هُم أيضاً يُعانون من طاغية، ومَنَعَ هذا القائدُ مِنْ ذلك، فهَل يكونُ مُباحاً قتلُ هذا الطاغية، واستباحةُ أملاكِهِ؟"
وكان جوابُ شيخ الإسلام: "نعم يجوز". وارتاح السلطانُ سليم للفتوى،
واتخذ كافة الاستعدادت للمعركة المصيرية مع الصفويين، وانطلق في22 محرم سنة 920 هـ/ 20 آذار/ مارس 1514م من مدينة أدرنة على رأس جيش جرار، ومسلَّح بأحدث الأسلحة النارية بما فيها البواريد والمدفعية بصنوفها الخفيفة والثقيلة، وقصَدَ مناطق الصفويين، ويمّم نحو الشرق، وتجاوز القسمَ الأوروبي من العاصمة إسطنبول، وعَسْكَرَ في القسم الآسيوي بمنطقة أُسْكُدَار، فاستكمَلَ قواته البرية والبحرية، وانطلقَ الأسطولُ البحريُّ المشحون بالأسلحة والعتاد والتموين شمالاً عابراً مضيقَ البوسفور، فدَخَلَ البحرَ الأسود، واتجه شرقاً نحو مدينة طرابزون، وغادر السلطان أسكدارَ مع القوات البرية في 23 نيسان/ إبريل سنة 1514م، فوصل قونيا في أول حزيران/ يونيو، فاستراح السلطان والقوات مدة ثلاثة أيام، ثم تابع المسيرَ إلى مدينة سيواس؛ فترك فيها قوّةً مُكونة من 40000 مقاتل لحماية المنطقة، وتأمين خطوط الإمدادات، وتطهير المنطقة من القوى الموالية للصفويين، وواصل السلطانُ مسيرَه شرقاً، ومعه مئة ألف مقاتل، فوصل مدينة أرزنجان في 24 تموز/ يوليو، ووصلتْ إليه بَراًّ المهماتُ التي نُقلت بحراً من إسطنبول إلى طرابزون، وبعدَ ترتيبِ أمورِ الجيش، تابع المسيرَ، فوصل مدينة أرض روم في 5 آب/ أغسطس، ووجدَ السلطانُ سليم أن عملاءَ الصفويين قد حرقوا جميعَ المحاصيل الزراعية والقرى على الطريق التي يسلكها الجيش العثماني من أرزنجان إلى تبريز لحرمانه من أية إستفادة من الموارد المحلية، وقد تمّ تنفيذ تلك الحرائق بإشراف التركماني الأناضولي "محمد خان أُسطا جالو" الموالي للشاه إسماعيل الصفوي، وانسحب الصفويون شرقاً لاستدراج الجيش العثماني وإنهاكه ثم الانقضاض عليه.
ورغم المشقّة أمر السلطانُ سليم الجيش بمتابعة المسير، فبدأ تذمُّرُ الإنكشاريين البكتاشيين بدعوى طول مدّة الحملة، وازداد التذمُّرُ في المنطقة الواقعة بين أرزنجان وأرضروم، وتطوَّر التذمُّر إلى محاولة اغتيال السلطان سليم حيث أطلق الإنكشاريون البكتاشيون النار على خيمة السلطان، فأصابوها لكن السلطان نجا، وامتطى صهوة جواده وابتعد عن الخيمة، ثم قامت الحراسة الخاصة "الصولاغية" بإلقاء القبض على الْجُناةِ الخونة، وشكَّل السلطان سليم محكمةً ميدانة حكمت بإعدام الخونة، وصدّق السلطانُ سليم على حكم الإعدام فأُعدِم الإنكشاريون الخونة، وقامت قوات "الصولاغ" بملاحقة العناصر الموالية للصفويين وتصفيتها وتطهير المنطقة منهم لتأمين حماية القوات الخلفية للجيش العثماني.

تعبئة معركة جالديران
غادر الجيشُ العثماني مدينة أرض روم، ثم تقدَّم باتجاه مدينة تبريز عاصمة الصفويين، وسار عدَّة أيام دون أن يَجِدَ أثراً للصفويين الذين أرادوا خديعته بالتراجُع المخطَّطِ له بانتظار أنهاكِ الجيش العثماني، ثم الانقضاض عليه، ولكن السلطانَ قرَّرَ الالتفاف على تبريز عاصمة الصفويين، فاستمرَّ في تقدُّمِهِ، ووصل قصبة "بيازيد الشرقية: دوغو بايزيد" ثم تجاوزها إلى آذربيجان، واتَّجَهَ نحو الجنوب الغربي، ورافق ضفاف نهر زنكما حتى وصل في 22 آب/ أغسطس سنة 1514م إلى صحراء جالدران شرقي تبريز بين بحيرة إرمية وتبريز؛ قرب ماكو الواقعة جنوب شرق جبل آغري مسافة خمسين كيلو متراً.
وهنالك عقد السلطانُ سليم مجلساً حربياً مساء 22 آب، وقرَّر مباشرةَ القتال في صباح 23 آب، ونُفِّذت الخطة التعبوية للجيش العثماني الخماسي، فكان موقعُ السلطان في القلب، ومعه الصدر الأعظم الداماد أحمد باشا هرسك زادة، وقاد الجناح الأيمن والي الأناضول سنان باشا، ومعه والي قره مان زينل باشا، والخيالة "سباهيو التيمار الأناضولي" وقاد الجناح الأيمن والي رومللي البيلربك حسن باشا ومعه الخيالة "سباهيو تيمار رومللي" وكانت فرقة مشاة الإنكشارية الثقيلة المجهزة بالبنادق مع المدفعية في المؤخرة، وكانت فرقة صاعقة رومللي المسلحة في المقدمة. وكانت وحدات المشاة العثمانية الخفيفة "العزب" مسلحة بالبنادق أيضاً وموزعة ضمن الجيش توزيعاً متناسقاً.

وكان الجيش الصفوي مُعَسْكِراً بشكل تعبوي في جالديرا قبل وصول الجيش العثماني، وبذلك يكون هو الذي اختار ميدان المعركة السهلي ليتيح فرصة المناورة والمباغتة لقوات الفرسان التركمان الذين يعتمد عليهم الشاه إسماعيل. ولم يكن تشكيل الجيش الصفوي خماسياًّ، بل يتكون من جناحين فقط، وكان الشاه في الجناح الأيمن من جيشه، وكان قائد الجناح الأيسر والي ديار بكر التركماني محمد خان أُسطا جالو، وكان عدد الجيش الصفوي نحو مائة ألف مقاتل أكثرهم من الخيالة التركمان.
سير المعركة
التقى الجيش العثماني بالجيش الصفوي في جالديران في 2 رجب سنة 920 هـ/ 23 آب/ أغسطس سنة 1514م، وبدأ هجوم صاعقة رومللي العثمانيين بشكل أدهش الصفويين، ثم أمر السلطان بفتح الجناحين على شكل هلال، ثم فتحت المدفعيةُ العثمانية نيرانها على الصفويين فبدأ تساقطُهم بالآلاف، ثم أمر السلطانُ بإغلاق الجناحين، وقدَّم فرقةَ الاحتياط إلى الأمام، وأمرَ بالهجوم على مركز الجناح الصفوي الأيمن للقضاء على الشاه إسماعيل، فجُرحت يدُ الشاه ورِجلُه، فألبس ثيابَهُ لشبيه له من أتباعه الفدائيين وولى هارباً من ميدان المعركة، ولما وصل العثمانيون إلى مكانه صرخ شبيهُهُ: أنا الشاه، فانشغل العساكر العثمانيون باعتقاله ثم تبيَّن أنه شبيه مزيف، وقُتل قائد الجناح الصفوي الأيسر محمد خان، والصدر الأعظم الصفوي الباقي بك، وقاضي العسكر الصفوي سيد حيدر ووالي بغداد خلفاء بك تركمان أوغلى، ووالي عراق العجم وإنطالية وهمدان يكان بك، واستشهد من العثمانيين باشا واحد و9 قادة سناجق برتبة قائد لواء، وقتل عشرات الآلاف من عساكر الطرفين، ولكن العثمانيين انتصروا وهرب الصفويون، فأسروا منهم الآلاف، ودخل السلطان سليم عاصمتهم تبريز في 14 رجب سنة 920 هـ/ 5 أيلول/ سبتمبر سنة 1515م، وأقيمت صلاة الجمعة في تبريز حسب الشعائر السُّنية وتمّ الدعاء بالنصر للسلطان سليم في 8- 9- 1514م، واستولى السلطانُ على الخزائن الصفوية، وجلب إلى إسطنبول تخت الشاه إسماعيل المصنوع من الذهب الخالص، ومازال موجوداً في متحف طوب قابي حتى الآن، وأمر السلطان بنقل الخزائن الصفوية مع مئات الفنانيين والشعراء والعلماء والصناع والحرفيين من تبريز إلى اسطنبول، فألحق صُناع الخزف بمصانع إزنيك المشهورة، وبقي السلطان في تبريز 9 أيام لتنظيم أمورها، ثم تعقَّب الشاه حتى ضفاف نهر الرسّ، ولكنه لم يتمكّن من القبض عليه، وأقبل فصلُ الشتاء ببرده القارس، فتذمر بعض الإنكشاريين البكتاشيين، فاستراح السلطان سليم الأول ثمانية أيام، وعزل بيقلي من الصدارة العظمى، ونصَّبَ مكانه خادم سنان باشا في تشرين الأول/ أكتوبر 1514م، ثم عاد السلطان إلى مدينة أماسيا فشتّى فيها، وفي الربيع رجع السلطان إلى بلاد العجم ففتح قلعة "كوماش: كُماخ" في أيار/ مايس سنة 1515م، ثم عاد إلى سيواس.

وترك السلطان سليم قادة الجيوش العثمانية لتنفذ مهمات الفتوحات التي أعطاها لهم، وعلم بالتحركات الأوروبية على جبهة البلقان تنفيذاً لاتفاقهم مع الشاه إسماعيل على فتح الجبهتين معاً، فغادر السلطان سواس عائداً إلى استطنبول ليكون قريباً من الجبهة الغربية، وأخذ معه الإنكشارية المتذمرين ثم اعتقل كبارَ ضباطهم وحقَّق معهم، ولما تبَيَّنَ له تآمرُهم مع الصفويين نفَّذَ بهم حُكمَ الإعدام كي لا تتكرر الحادثة، كما أعدم قاضي عسكر الإنكشارية جعفر جلبي لأنه كان المحرِّك الأساسيّ لتذمُّر الإنكشارية بسبب ارتباطاته السِّرِّيَّةِ بالصفويين.

تحرشات الجبهة الغربية
تولى البابوية "بولص: يوليوس الثاني" من سنة 1503 حتى سنة 1513م، فعقد المجمع البابوي وشكل "العُصبة المقدسة" سنة917 هـ/ 1511م، وضمّت البابا وفرديناندو ملك إسبانيا وهنري الثامن ملك الإنكليز، وتعصبت البابوية وبريطانيا وإسبانيا والماني ضد ملك فرنسا لويس الثاني عشر، وبدأت الحرب بين الفريقين مما خفف الضغط الأوروبي على الجبهة العثمانية الغربية، ولكن البابا رحل، وانتخب مجمعُ الكرادلة البابا لاون العاشر، فتولى البابوية من سنة 1513 حتى سنة 1521م، واتفق البابا مع الصفويين، ودعا الدول الأوروبية إلى عقد الهدنة فتمت اتفاقية لندن بين الملك الفرنسي وأعدائه سنة 920 هـ/ 1514م، وبذلك طويت صفحة حروب الخمس عشرة سنة بين الفريقين الأوروبيين، ودعا البابا الجميع إلى محاربة العثمانيين، وطلب من الملك الفرنسي لويس الثاني عشر"الملقب بأبي الملة الكاثوليكية" أن يقود الحملة،
ولكن دعوته لم تلقَ التلبية المناسبة بسبب موت الملك الفرنسي لويس الثاني عشر آخر ملوك فرع أورليان، وانتقل ملك فرنسا إلى صهره فرنسوا الأول "السمين"، فنقض الهدنة وحارب السويسريين وانتصر عليهم في معركة "مارنيان" التي استمرت من 13 حتى 14 أيلول/ سبتمبر سنة 1515م وخسر السويسريون 15000 قتيلاً، ثم توسط البابا بالصلح، وعقدت معاهدة صلح "كونكودات؛ أي: المعاهدة الكنسية" وحلّت محل معاهدة "العصبة المقدسة" ثم كرر البابا لاون العاشر دعوة الدول الأوربية إلى حرب العثمانيين واستغلال فرصة انشغالهم بحروب الصفويين على الجبهة الشرقية سنة 920 هـ/ 1515م فراسَلَ ملك المجر لاديسلاس، فاستجاب لطلب البابا وقبض منه مبلغ خمسين ألف دوكا، وهاجم مدينة بلغراد عاصمة صربيا، ولكنه هُزم عسكرياًّ حيث تصدّى له سنجق بك سمندرة العثماني وردّ المجريين على أعقابهم.
ثم قابل البابا ملكَ فرنسا فرانسوا الأول في مدينة بولونية الإيطالية وحرَّضه على قتال العثمانيين دون جدوى، ثم راسل ملك البرتغال ودعاه لحربهم أيضاً، ولكن دعوته لم تلق التعاون المطلوب بسبب الخلافات الأوروبية بين أتباع "الإمبراطور كرلوس الخامس: شارلكان وريث تاج مكسمليانوس الألماني وتاج فرديناندو الإسباني" وفرانسوا الأول مما أوقع بينهما أربع حروب دموية على الأراضي الإيطالية وغيرها، وتلك الحروب ضيعت فرص التعامل الصفوي – الأوروبي، وخدمت العثمانيين خدمةً جليلة، وأسفرت عن تحسن العلاقات الفرنسية العثمانية ضدَّ إسبانيا وأتباعها بعقد معاهدة سنة 939 هـ/ 1532م في عهد السلطان سليمان القانوني بن السلطان سليم الثاني.

تتابع الفتوحات العثمانية
ترَك السلطانُ سليم مُهمَّة الفتوحات الشرقية لِقادة القوات العثمانية، فأرسل حملةً بقيادة الصدر الأعظم سنان باشا إلى إمارة ذي القدرية فألحقها بالحكم المباشر وأصبحت إيالةً عثمانية، ولكنه ولّى عليها ابن عَمِّ أُمِّهِ علي باشا ذي القدرية برتبة بيلربيك في 12- 6- 1515م، واستردّ والي أرزنجان محمد باشا بيقلي مدينة آمُد من الصفويين في 19- 9- 1415م وقُتل واليها التركماني – الصفوي قره خان أُسطا جالو، وأباد بيقلي محمد باشا وأغواتُ الأكراد الشافعية الجيشَ الصفوي الذي وقائدَه "قره خان أسطا جالو" في معركة قوجه حصار في 4 أيار/ مايو سنة 1516م، وأصبح أول والٍ على إيالة ديار بكر العثمانية التي رحبت بالعثمانيين، وتم تعيين المؤرخ الكردي إدريس البدليسي معاوناً للوالي ومندوباً سامياً للشؤون المدنية في المناطق الكردية، و. وفي 7 نيسان/ إبريل فتح بيقلي محمد باشا مدينة ماردين وهَرَبَ الصفويون، ثم ضمَّ ميناء "بيره جك" على نهر الفرات، وفتح حصن كيفا "قلعة حسن كيف" الأيوبية لكنَّ السلطان سليم أمرَ بتركِها للأيوبيين إكراماً للبطل صلاح الدين الأيوبي، وفتح بيقلي أورفة، والرقة، والموصل، فأصبحت القوات العثمانية على حدود المماليك الشمالية مباشرةً.


حكم المماليك
انتقل حكم مصر من الأيوبيين إلى المماليك البحرية ابتداءً بشجرة الدر أرملة الصالح أيوب سنة 648 هـ/ 1250م، وذلك بعد الملك الأشرف الثاني مظفر الدين موسى بن يوسف بن محمد الذي عزله المعز عز الدين أيبك الذي ولي الحكم بعد المعظم توران شاه الرابع بشهرين سنة 648 هـ/ 1250م، ثم انتقل الحكم من المماليك البحرية إلى المماليك البرجية بانتقاله من الصالح صلاح الدين حاجي إلى الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس العثماني اليلبغاوي سنة 784 هـ/ م، وآل حكمهم إلى الأشرف قانصوه الغوري سنة 906 هـ/ ، وخلفه طومان باي سنة 922 هـ/ م فقتله السلطان سليم الأول.

قانصوه الغوري
قانصوه بن عبد الله الظاهري (نسبة إلى الظاهر خشقدم) الأشرفي (نسبة إلى الأشرف قايتباي) الغوري (نسبة إلى الغور) أبو النصر سيف الدين، الملقب بالملك الأشرف سلطان مصر الشركسي الأصل، المستعرب، وُلدَ سنة 850 هـ/ 1464م، ولقي مصرعه سنة 922 هـ/ 1516م، وهو الذي خدم السلاطين المماليك، وولي الحجاب بمدينة حلب، ثم بويع بالسلطنة في قلعة الجبل في القاهرةسنة 905 هـ/ م، وكان أديبا مولعا بالموشحات، وقد شرح السيوطي بعض موشحاته بكتاب سماه: النفح الظريف على الموشح الشريف، ويقال له ديوان شعر مخطوط، وكانت نهايته في معركة مرج دابق عندما هُزت قواته أمام قوات السلطان العثماني سليم الأول، واتعددت روايات مصرعه حتى أسبغ عليه أتباعه نوعاً من القداسة؛ فقيل: أغمي عليه عندما هربت عساكره فمات قهرا على ظهر جواده، وقيل: أن الأمير علان، وهو من رجال الغوري الذين ثبتوا معه في المعركة لما رأى الغوري قد وقع عن جواده إلى الأرض أمر عبدا من عبيده فقطع رأسه، وألقاه في جب مخافة أن يقتله العثمانيون ويطوفوا برأسه في البلدان.

فتح حلب المملوكية
عانى أهالي مدينة حلب وما يجاورها من البلدان الكثير من التجاوزات المنافية للأخلاق والدين في عهد قانصوه الغوري الذي أقام علاقات وثيقة مع الصفويين، وخرج دعاة البكتاشية والقزل باش من السر إلى العلن ، ، ورحوا يمارسون طقوسهم خارج كهف السودان الموجود في جبل المقطّم، وبدؤوا يضغطون على مخالفيهم، فأرسل العلماء والوجهاء الحلبيون رسائل الاستغاثة إلى السلطان أبايزيد الثاني، ولكنه لم يستطع نجدتهم، ولما انتصر السلطان سليم الثاني على الشاه إسماعيل أتته رسائل التهنئة من بلاد الشام ومن مصر، ودعاه العلماء والوجهاء إلى القدوم إلى بلادهم لتحريرها من من المماليك الذين ظلموا الراعية بالتعاون مع الصفويين، واعتُبِرَ وصول العثمانيين إلى حلب فتحاً مبيناً، فأرخه المؤرخون بحساب الْجُمَّل بعبارة "فاتح ممالك العرب" وقد امتدح النجدة العثمانية قطب الدين الحنفي النهروالي الذي قال في كتاب (تاريخ مكة) الإعلام بأعلام بيت الله الحرام ص: 127 – 128 "ووطأت خيلُ السلطان سليم أرض تبريز، فنهى فيها وأمر(...) وأراد أن يقيم في تبريز للاستيلاء على إقليم العجم، والتمكن من تلك البلاد على الوجه الأتم، فما أمكنه ذلك لكثرة القحط، واستيلاء الغلاء، وسبب ذلك أن القوافل التي كان اعدها السلطان سليم لكي تتبعه بالميرة والعليق والمؤن  تخلفت عنه في محل الاحتياج إليها، وما وجدوا في تبريز شيئا من المأكولات والحبوب لأن الشاه إسماعيل أمر بإحراق أجران الحب والشعير وغير ذلك واضطر السلطان سليم إلى العودة من تبريز إلى بلاد الروم، وتركها خالية خاوية على عروشها، ثم تفحص عن سبب انقطاع القوافل عنه؛ فأخبر أن سبب ذلك سلطان مصر قانصوه الغوري، فإنه كان بينه وبين شاه إسماعيل محبة ومودة ومراسلات بحيث أنه كان السلطان الغوري يتهم بالرفض في عقيدته بسبب ذلك، فلما ظهر للسلطان سليم أن الغوري هو الذي أمر بقطع القوافل عنه صمّم على قتال السلطان الغوري أولاً، وبعد الاستيلاء عليه وعلى بلاده يعود إلى قتال الشاه إسماعيل ثانيا، فلما استقر عليه ركاب السلطنة الشريفة العثمانية في تخت ملكها الشريف تهيأ لأخذ مصر، وإزالة دولة الشراكسة، وتوجه بعسكره الجرار إلى ناحية حلب في سنة 922 هـ/ م، وخرج إلى قتاله قانصوه الغوري بجميع عساكره من الشراكسة وغيرهم، وتلاقى العسكران بقرب حلب في مرج دابق، وكان الغوري يتوهم ويخاف على نفسه من ملك الأمراء خير بك ومن جان بردي الغزالي، وكانا يكرهانه في الباطن، ويكرههما كذلك، فأمرهما أن يتقدما لقتال السلطان سليم وجعلهما وعسكرهما حجابا أمامه، ووقف الغوري بخواص عسكره الذين يعتمد عليهم من الجلبان الذين أراد أن يقدمهم خلف خير بك والغزالي وقصد بذلك أن يقتلا بالبنادق والضربزن في أول مرة ثم يسلم هو ومن معه وتفطن خير بك والغزالي لذلك فأرسلا إلى السلطان سليم وطلبا منه الأمان، وتوثقا منه أن لايقتلهما بل يكرمهما وينعم عليهما، فأرسل السلطان سليم لهما بالأمان، وعهد لهما بما يطيب من خاطرهما، وأن يوليهما مملكة مصر والشام، فقبلا ووافقا على ذلك قبل القتال، فلما تلاقى العسكران، واضطرمت نيران البنادق في مرج دابق فر خير بك بمن معه من الميمنة، وفر الغزالي بمن معه من الميسرة، وبقي السلطان الغوري بمن معه من خواصه وجلبانه في القلب، فأطلقت البنادق والضربزانات، فهلك من هلك هرب من هرب(..) وعاد الغوري تحت سنابك الخيل، ومحا العدل ظلام الظلم كما يمحو النهار الليل، وذهبيت ظلمات الشراكسة كأنهم كانوا هباء منثورا، وأقبل رايات إقبال السلطان سليم على قلعة حلب الشهباء وقد احمرت من إسالة الدماء، وطلب أهلها الأملن والتسليم فأجابهم إلى القبول لطفا وكرما() وحضر صلاة الجمعة، وخطب الخطيب باسمه الشريف، ودعا لآبائه وأسلافه وبالغ في المدح والتعريف، وعندما سمع السلطان الخطيب يقول في تعريفه: خادم الحرمين الشريفين سجد لله شكرا، وقال: الحمد لله الذي يسر لي أن صرت خادم الحرمين الشريفين، وأظهر الفرح والسرور بتلقبه بخادم الحرمين المنيفين، وخلع على الخطيب خلعا متعددة وهو على المنبر، وأحسن إليه إحسانا كثيرا..."

الفتح العثماني لبلاد الشام
قدم بطرس البستاني صورة من صور وصول العثمانيين إلى حلب فقال: " وخرج أهل حلب بعلمائهم وصلحائهم، والمصاحف على رؤوسهم، واستقبلوا السلطان وهنؤوه بالفتح وسألوه معاملتهم بالرفق والغض عن سيئاتهم، فأكرم وفادتهم، وخُطِبَ له فيها.." (انظر دائرة معارف البستاني، ج:10، ص: 9)؛ وقبل ذلك أرسل الشاميون الكثير من الرسائل إلى السلطان سليم الأول، وشجعوه على القدوم إلى الشام لحمايتها من البرتغاليين الذين بدؤوا يهددون بلاد الشام عبر البحر الأحمر، كما صاروا يهددون شبه جزيرة العرب، ولم يعد المماليك قادرين على المقاومة، فسار السلطان سليم بجيشه نحو بلاد الشام، والتقى الطرفان في مرج دابق شمال غربي مدينة حلب، وعندما التحم الجيشان يوم 25 رجب من عام 922، انفصل ولاة الشام بمن معهم وانضموا إلى العثمانيون فانتصروا، وهزم جيش قانصوه الغوري، ودخل السلطان سليم حلب، وحماه، وحمص، ودمشق دون مقاومة بل بالترحيب في أغلب الأحيان، وأبقى ولاة الشام على ولاياتهم حسبما وعدهم، بل زاد في مناطق نفوذ بعضهم حسبما بذلوا في ميدان مرج دابق، واتجه إلى مصر، بعد أن قابل العلماء وأكرمهم، وأمر بترميم مسجد بني أمية بدمشق، وقد عين جانبرد الغزالي على دمشق، والأمير فخر الدين المعني على جبل لبنان، وهو من الدروز، وقد ساعد السلطان سليم، ووقف إلى جانبه بعد أن ترك المماليك ليحصل على الولاية، وهو من ألد أعداء العثمانيين وما يحملونه من أفكار إسلامية.
وقد قال بذلك محمد بيرم الخامس التونسي في كتابه: صفوة الاعتبار، ج:5، ص: 48 طبعة المقتطف بمصر سنة 1311 هـ:
سَليمُ الذي قدْ حَلَّ بِالشَّاهِ بَأسُهُ // فأدْبَرَ يَطْوِي الأرْضَ مِنْ قُرْبِ جَهْضَمِ
ولاح بتبريز سناه فأصبحتْ // عروسا تجلَّت في وشاحٍ مُنمنم
ومذ برقت بالشام أنوار برقه // دعته دعاء البائس المتظلم
فسكن منها روعة بقدومه // وضمت عليه سورها ضم معصم
وواجه مصرا بالأذى إذ تلكأت // فأجرى بها نيلا تدفق بالدم
وقد غرّها الغوريْ فغار بدابق // وأقبل طومان كذيبٍ لضيغم
فأصبح مصلوبا بباب زويلة // يداس بأقدام ويوطا بمنسم
ولم يبق من أبناء شركس ناعق // كأنهم قد لامسوا عطر منشم
وأضحى سليم للمقامين خادما // بذاك ينادي للسلاطين خدّم

محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن

*****


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14909712
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة