للتحميل والقراءة: معجم الأدباء لياقوت الحموي 20 جزءاً بصيغة وورد مضغوط

معجم الأدباء لياقوت الحموي
واحد من أعاظم كتب التراجم، يشتمل على زهاء ثمانمائة ترجمة، موزعة على نحو 33 طبقة، من نحويين ولغويين ونسابين وقراء وأخباريين ومؤرخين ووراقين وكتاب، وأصحاب رسائل مدونة، وأرباب خطوط منسوبة معينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع في فنه تأليفاً.

****

رابط تحميل الأجزاء العشرين

اضغطicon Muajam al-Udabaa- Yaqut.zip (2.68 MB)  هنا

****

الجزء الأول
خطبة الكتاب
الفصل الأول
في فضل الأدب وأهله، وذم الجهل وحمله
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفاً أنه يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه من ليس من أهله، وكفى بالجهل خمولاً، أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه.
فنظم بعض المحدثين ذلك، فقال:
كفَى شَرَفاً لِلْعِلْمِ دَعْوَاهُ جَاهِـلٌ  وَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى إِلْيهِ وَيُنْسَـبُ
وَيَكْفِي خُمُولاً بِالْجَهالَةِ أَنَّـنِـي  أُرَاعُ مَتَى أُنْسَبْ إلَيْهَا وَأَغْضَبُ
وقال رضي الله عنه: قيمة كل إنسان ما يحسن، فنظمه شاعر وقال:
لاَ يَكُونُ الْفَصِيحُ مِثْلَ الْعَـيَيِّ  لاَ وَلاَ ذُو الذَّكَاءِ مِثْلَ الْغَبِـيِّ
قِيمَةُ الْمَرْءِ قَدْرُ مَا يُحْسِنُ الْمَرْ  ءُ قَضَاءٌ مِنَ الإمَـامِ عَـلـيِّ
وقال كرم الله وجهه: كل شيء يعز إذا نزر، ما خلا العلم، فإنه يعز إذا غزر.
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يسيئون الرمي، فقرعهم، فقالوا: إنا قوم "متعلمين"، فأعرض مغضباً، وقال: والله لخطؤكم في لسانكم، أشد علي من خطئكم في رميكم.
سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "رحم الله امرأ أصلح من لسانه".
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قرأ: "ونادوا يا مال ليقض علينا ربك أنكر عليه ابن عباس. فقال علي: هذا من الترخيم في النداء فقال. ابن عباس: ما أشغل أهل النار في النار عن الترخيم في النداء? فقال علي: صدقت.
فهذا يدل على تحقق الصحابة من النحو، وعلمهم به.
استأذن رجل على إبراهيم النخعي فقال: "أبا" عمران في الدار، فلم يجبه. فقال: أبي عمران في الدار، فناداه: قل الثالثة وادخل.
وكان الحسن بن أبي الحسن يعثر لسانه بشيء من اللحن فيقول: استغفر الله. فقيل له فيه: فقال: من أخطأ فيها فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءاً، وقال الله تعالى: "ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً".
وذكر أبو حيان في كتاب محاضرات العلماء: حدثنا القاضي أبو حامد أحمد بن بشر قال: كان الفراء يوماً عند محمد ابن الحسن، فتذاكرا في الفقه والنحو، ففضل الفراء النحو على الفقه، وفضل محمد بن الحسن الفقه على النحو، حتى قال الفراء: قل رجل أنعم النظر في العربية، وأراد علماً غيره، إلا سهل عليه، فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية، وأسألك عن باب من الفقه. فقال: هات على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقول في رجل صلى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو، فسها فيهما، فتفكر الفراء ساعة، ثم قال: لا شيء عليه. فقال له محمد: لِمَ? قال: لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدتا السهو تمام الصلاة، وليس للتمام تمام. فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أن آدمياً يلد مثلك.
وحكي عن بعض الفقهاء أنه كان يقول: حب من الناس حب من الله، وما صلح دين إلا بحياء، ولا حياء إلا بعقل، وما صلح حياء، ولا دين، ولا عقل، إلا بأدب.
وأنشد أبو الفضل الرياشي:
طَلَبْتُ يَوْماً مَـثَـلاً سَـائِراً  فَكُنْتُ فِي الشِّعْرِ لَهُ نَاظِمَا
لاَ خَيْرَ فِي الْمَرْءِ إذَا مَا غَدَا  لا طالب العلم ولا عالمـا
وفي الخبر: "ارحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل. وغني قوم افتقر، وعالماً يلعب الجهال بعلمه".
فنظمه شاعر فقال:
إنِّي مِنَ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ حَقْهُـمْ  أَنْ يُرْحَمُوا لِحَوَادِثِ الأَزْمَانِ
مثرٍ أقل وعالم مستجهل، وعزيز قوم ذل للحدثان.
ويقال: فقدان الأديب الطبع، كفقدان ذي النجدة السلاح، ولا محصول لأحدهما دون الآخر. وقال:
نِعْمَ عَوْنُ الْفَتَى إِذَا طَلَبَ الْعِلْ  مَ وَرَامَ الآدَابَ صِحَّةُ طَبْـعِ
فَإذا الطَّبْعُ فَاتَهُ بَطَلَ الـسَّـعْ  يُ وَصَارَ الْعَنَاءُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ
ومما يقارب ذلك قول بعضهم:
مَنْ كَانَ ذَا عَقْلٍ وَلَمْ يَكُ ذَا غِنىً  يَكُونُ كَذِي رِجْلٍ وَلَيْسَ لَهُ نَعْلُ
وَمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَلَمْ يَكُ ذَا حِجىًيَكُونُ كَذِي نَعْلٍ وَلَيْسَ لَهُ رِجْلُ
وقال آخر:
أَرَى الْعِلْمَ نُوراً وَالتَّأَدُّبَ حِلْيَةًفَخُذْ مِنْهُمَا فِي رَغْبَةٍ بِنَصِيبِ
وَلَيْسَ يَتِمُّ الْعِلْمُ فِي النَّاسِ لِلْفَتَىإذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ بِأَدِيبِ
وأنشد أبو حاتم سهل بن يحيى السجستاني:
إِنَّ الْجَوَاهِرَ دُرَّهَا وَنُضَـارَهَـا  هُنَّ الْفِدَاءُ لِـجَـوْهَـرِ الآدَابِ
فَإِذَا اكْتَنَزْتَ أَوِ ادَّخَرْتَ ذَخِـيرَةً  تَسْمُو بِزِينَتِهَا عَلَى الأَصْـحَـابِ
فَعَلَيْكَ بِالأَدَبِ الْمُـزَيِّنِ أَهْـلَـهُ  كَيْمَا تَفُوزَ بِـبَـهْـجَةٍ وَثَـوَابِ
فَلَرُبَّ ذِي مَالٍ تَـرَاهُ مُـبَـعَّـداً  كَالْكَلْبِ يَنْبَحُ مِن وَرَاءِ حِجَـابِ
وَتَرَى الأَدِيبَ وَإِنْ دَهَتْهُ خَصَاصَةٌ  لاَ يُسْتَخَفُّ بِـهِ لَـدَى الأَتْـرَابِ
وَقَالَ آخَرُ:
مَا وَهَبَ اللهُ لامْرِئ هِـبَةً  أَحْسَنَ مِنْ عَقْلِهِ وَمِنْ أَدَبِهْ
هُمَا جَمَالُ الْفَتَى فَإنْ فُقِدَا  فَفَقْدُهُ لِلْحَيَاةِ أَجْمَـلُ بِـهْ
وحدث أبو صالح الهروي قال: كان عبد الله بن المبارك يقول: أنفقت في الحديث أربعين ألفاً، وفي الأدب ستين ألفاً، وليت ما أنفقته في الحديث أنفقته في الأدب، قيل له: كيف? قال: لأن النصارى كفروا بتشديدة واحدة خففوها، قال تعالى: يا عيسى إني ولَّدتك من عذراء بتول. فقالت النصارى: ولدتك.
شاعر:
ولَمْ أَرَ عَقْلاً صَحَّ إلاَّ بِـشـيمَةٍ  وَلَمْ أَرَ عِلْماً صَحَّ إلاَّ عَلَى أَدَبْ
وقال آخر:
لِكُلِّ شَـيْءٍ حَـسَـنٍ زِينَةٌ  وَزِينَةُ الْعَالِمِ حُسْـنُ الأَدَبْ
قَدْ يَشْرُفُ الْمَرءُ بِـآدَابِـهِ  فِينَا وَإِنْ كَانَ وَضِيعَ النَّسَبْ
وقال آخر:
مَنْ كَانَ مُفْتَخِراً بِالْمَالِ وَالنَّسَبِفَإِنَّمَا فَخْرُنَا بِالْعِلْمِ وَالأَدَبِ
لاَ خَيْرَ فِي رَجُلٍ حُرٍّ بِلاَ أدَبٍلاَ، لاَ، وَإِنْ كَانَ مَنْسُوباً إلَى العَرَبِ
قالوا: والفرق بين الأديب والعالم، أن الأديب من يأخذ من كل شيء أحسنه فيألفه. والعالم من يقصد بفن من العلم فيعتمله. ولذلك قال علي كرم الله وجهه: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه. شاعر:
ذَخَائِرُ الْمَالِ لاَ تَبْقَى عَلَى أَحَدٍوَالْعِلْمُ تَذْخَرُهُ يَبْقَى عَلَى الأَبَدِ
وَالْمَرْءُ يَبْلُغُ بِالآدَابِ مَنْزِلَةًيَذِلُّ فِيهَا لَهُ ذُو الْمَالِ وَالْعُقَدِ
وحدث سفيان قال: سمعت الخليل بن أحمد يقول: إذا أردت أن تعلم العلم لنفسك، فاجمع من كل شيء شيئاً، وإذا أردت أن تكون رأساً في العلم، فعليك بطريق واحد، ولذلك قال الشعبي: ما غلبني إلا ذو فن.
شاعر:
لاَ فَقْرَ أَكْبَرُ مِنْ فَقْرٍ بِلاَ أَدَبٍلَيْسَ الْيَسَارُ بِجَمْعِ الْمَالِ وَالنَّشَبِ

مَا الْمَالُ إلاَّ جُزَازَاتٌ مُلَفَّقَةٌ 
 فِيهَـا عُـيُونٌ مِـنَ الأَشْـعَـارِ وَالْــخُـــطَـــبِ
ويقال: من أراد السيادة، فعليه بأربع: العلم، والأدب، والعفة، والأمانة.
شاعر:
كمْ مِنْ خَسِيسٍ وَضِيعِ الْقَدْرِ لَيْسَ لَهُفِي الْعِزِّ أَصْلٌ وَلاَ يُنْمَى إلى حَسَبِ
قد صار بالأدب المحمود ذا شرف  عال وذا حسب محض وذا نسب
وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعاً، وبعد صوته وإن كان خاملاً، وساد وإن كان غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيراً.
ويقال: عليكم بالأدب، فإنه صاحب في السفر، ومؤنس في الحضر، وجليس في الوحدة، وجمال في المحافل، وسبب إلى طلب الحاجة.
ويقال: مروءتان ظاهرتان: الفصاحة والرياش.
وكلم شبيب بن شيبة رجلاً من قريش، فلم يحمد أدبه، فقال له يا ابن أخي: الأدب الصالح خير لك من الشرف المضاعف، وقال:
وكم من ماجد أضحى عديماً  له حسن، وليس له بـيان
وما حسن الرجال لهم بزين  
وقال أبو نواس: ما استكثر أحد من شيء إلا مله وثقل عليه، إلا الأدب، فإنه كلما استكثر منه، كان أشهى له، وأخف عليه.
وقال: الشره في الطعام دناءة، وفي الأدب مروءة.
ويقال: الأديب نسيب الأديب: قال أبو تمام:
إن يكد مطرف الإخاء فإننـا  نسري ونغدو في إخاء تالـد
أو نفترق نسباً يؤلف بينـنـا  أدب أقمناه مقـام الـوالـد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا  عذب تحدر من غمام واحد
وقال ابن السكيت: خذ من الأدب ما يعلق بالقلوب، وتشتهيه الآذان وخذ من النحو ما تقيم به الكلام، ودع الغوامض، وخذ من الشعر ما يشتمل على لطيف المعاني، واستكثر من أخبار الناس، وأقاويلهم وأحاديثهم، ولا تولعن بالغث منها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لمنذر بن واصل: كيف شهوتك للأدب? فقال: أسمع بالحرف منه لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم مثل ما تنعمت الأذان، قيل: وكيف طلبك له? قال: طلب المرأة المضلة ولدها، وليس لها غيره، قيل: وكيف حرصك عليه? قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال.
قال الأصمعي: قال لي أعرابي: ما حرفتك? قلت: الأدب، قال: نعم الشيء، فعليك به، فإنه ينزل المملوك في حد الملوك.
وقال أرسطاطاليس: ليت شعري: أي شيء فات من أدرك الأدب، وأي شيء أدرك من فاته الأدب??.
وقال البحتري:
رأيت القعود على الاقتصـاد  قنوعاً به ذلة في الـعـبـاد
وعز بـذي أدب أن يضـيق  بعيشته وسع هذي الـبـلاد
إذا ما الأديب ارتضى بالخمول  فما الحظ في الأدب المستفاد
وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة.
وقال عبد الملك: ما الناس إلى شيء من العلوم أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم، التي بها يتحاورون الكلام، ويتهادون الحكم، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرق منها، إن الكلام قاض يجمع بين الخصوم، وضياء يجلو الظلام، وحاجة الناس إلى مواده، كحاجتهم إلى مواد الأغذية.
وقال الزهري: ما أحدث الناس مروءة أحب إلي من تعلم النحو.
وقال شاعر يصف النحو:
اقتبس النحو فنعم المقتـبـس  والنحو زين وجمال ملتمس
صاحبه مكرم حيث جـلـس  من فاته فقد تعمى وانتكـس
كأن ما فيه من العي خـرس  شتان ما بين الحمار والفرس
وقال آخر:
لولا كم كان يلفى كل ذي خطل  للنحو مدعياً بين الـنـحـارير
لم لا أشد على من لا يقوم بهـا  من وقعة السمر والبيض المآثير
قرع رجل على الحسن البصري الباب وقال: يا أبو سعيد، فلم يجبه، فقال: أبي سعيد، فقال الحسن: قل الثالثة وادخل. )وقد مر مثل هذا( وحدث النضر بن شميل، قال: أخبرنا الخليل ابن أحمد، قال: سمعت أيوب السجستاني يحدث بحديث فلحن فيه، فقال: أستغفر الله: يعني أنه عد اللحن ذنباً.
وكا ابن سيرين يسمع الحديث ملحوناً، فيحدث به على لحنه، وبلغ ذلك الأعمش، فقال: إن كان ابن سيرين يلحن فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فقومه. قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب أولاده على اللحن، ولا يضربهم على الخطأ. ووجد في كتاب عامل له لحناً، فأحضره وضربه درة واحدة. ودخل أعرابي السوق فسمعهم يلحنون فقال: العجب، يلحنون ويربحون?? وكان معاوية بن بجير عامل البصرة لا يلحن، فمات بجير بالبصرة، ومعاوية بفارس خليفة أبيه، فقال الفيج الذي جاء بنعيه: مات بجيراً، فقال له: لحنت لا أم لك. فقال أخوه عبد الله بن بجير:
ألم تر أن خير بني بجير  معاوية المحقق ما ظننتنا
أتاه مخبر ينعى بـجـيراً  علانية فقال له لحنـتـا
وقال الجاحظ: عيوب المنطق التصحيف، وسوء التأويل، والخطأ في الترجمة، فالتصحيف يكون من وجوه من التخفيف، والتثقيل، ومن قبل الإعراب، ومن تشابه صور الحروف. وسوء التأويل: من الأسماء المتواطئة أي أنك تجد اسماً لمعان، فتتأول على غير المراد. وكذلك سوء الترجمة.
واعلم أن مذاكرة العلم عون على أدائه، وزيادة في الفهم، ولابد للعالم من جهل، أي أن يجهل كثيراً مما يسأل عنه، إما لأنه ما سمعه أو نسيه. وقد قال بعض الفرس: ليس يحسن الأشياء كلها إنسان، ولكن يحسن كل إنسان شيئاً.

ومن الأدب قول القائل:
إذا ما روى الراوي حديثاً فلا تقل  سمعنا بهذا قبـل أن يتـمـمـا
ولكن تسمع للحديث مـوهـمـاً  بأنك لم تسمعه فيمـا تـقـدمـا
وقال الأصمعي: من حق من يقبسك علماً أن ترويه عنه.
قال أبو عمرو بن العلاء: إنما سمي النحوي نحوياً، لأنه يحرف الكلام إلى وجوه الإعراب.
واللحن مخالفة الإعراب، واللحن على جهة أخرى أن يكلم الرجل صاحبه بالكلام يعرفانه بينهما، ولا يعرفه سواهما، وأنشد ابن الكلبي لمالك ابن أسماء:
منطق صائب، وتلحـن أحـيا  ناً وخير الحديث ما كان لحاً
أمغط مني على بصرى بالسح  ب أم أنت أكمل الناس حسنا
وحـديث ألـذه هـو مـمـا  ينعت الناعتون يوزن وزنـا
وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان لحناً أي فطناً، وفي حديث أبي الزناد أن رجلاً قرأ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرشدوا صاحبكم. وحدث أبو العيناء عن وهب ابن جرير أنه قال لفتى من باهلة يا بني: اطلب النحو فإنك لن تعلم منه باباً إلا تدرعت من الجمال سربالاً، وفي حديث سعيد بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن". وعن ابن شهاب أنه قال: ما أحدث الناس مروءة أعجب إلي من تعلم الفصاحة. وحدث يحيى بن عتيق قال سألت الحسن: فقلت يا أبا سعيد الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق ويقيم بها قراءته، قال حسن: يا بني فتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية فيعيا بوجهها فيهلك فيها. وعن سعيد بن سلم قال: دخلت على الرشيد فبهرني هيبة وجمالاً فلما لحن خف في عيني، وعن الشعبي، قال حلي الرجال العربية، وحلي النساء الشحم.
وحدث التاريخي بإسناد رفعه إلى سلمة بن قتيبة قال: كنت عند ابن هبيرة الأكبر، قال: فجرى الحديث حتى ذكر العربية فقال: والله ما استوى رجلان دينهما واحد، وحسبهما واحد، ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن والآخر لا يلحن إن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن. قال: فقلت أصلح الله الأمير، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الآخرة ما باله فضل فيها، قال: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قال: قلت صدق الأمير وبر.
وحدّث عن أبي ثوابة عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه، قال: تكلم أبو جعفر المنصور في مجلس فيه أعرابي فلحن فصر الأعرابي أذنيه، فلحن مرة أخرى أعظم من الأولى، فقال الأعرابي: أف لهذا، ما هذا?. ثم تكلم فلحن الثالثة، فقال الأعرابي: أشهد لقد وليت هذا الأمر بقضاء وقدر، وحدث بإسناد رفعه إلى الواقدي قال: صلى رجل من آل الزبير، خلف أبي جعفر المنصور وقرأ، "ألهاكم التكاثر". فلحن في موضعين قال: فلما سلم التفت الزبيري إلى رجل كان إلى جانبه فقال: ما كان أهون هذا القرشي على أهله. وقال بعض الشعراء:
النحو يبسط من لسان الألكن  والمرء نعظمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها  فأجلها عندي مقيم الألسـن
وقال آخر:
إما تريني وأثوابـي مـقـاربة  نيست بخز ولا من حر كتـان
فإن في المجد هماتي وفي لغتي  علوية ولساني غـير لـحـان
وحدث قال: قدم طاهر بن الحسين، والعباس بن محمد ابن موسى على الكوفة، فزاره طساسيج من سوادها. فوجه العباس كاتبه إليه، فلما دخل على طاهر. قال له: أخيك أبي موسى يقرأ عليك السلام، قال. وما أنت منه? قال كاتبه الذي يطعمه الخبز قال نعم، علي بعيسى بن عبد الرحمن، قال. فجاء، وكان عيسى كاتب طاهر، فقال. اكتب وأنت قائم بصرف العباس بن محمد بن موسى عن الكوفة، إذ لم يتخذ كاتباً يحسن الأداء عنه.
وحدث فيما أسنده إلى الضحاك بن زمل السكسكي، وكان من أصحاب المنصور قال: كنا مع سليمان بن عبد الملك بدابق، إذ قام إليه السحاح الأزدي الموصلي، فقال يا أمير المؤمنين: إن أبينا هلك وترك مال كثير، فوثب أخانا على مال أبانا فأخذه، فقال سليمان: فلا رحم الله أباك ولا نيح عظام أخيك، ولا بارك الله لك فيما ورثت، أخرجوا هذا اللحان عني. فأخذ بيده بعض الشاكرية وقال: قم فقد آذيت أمير المؤمنين، فقال: وهذا العاض بظر أمه اسحبوا برجله. وحدث قال: قال رجل للحسن يا أبا سعيد: ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه? فقال الحسن ترك أباه وأخاه!! فقال له فما لأباه وأخاه.? فقال له الحسن إنما هو فما لأبيه وأخيه قال: يقول الرجل للحسن يا أبا سعيد. ما أشد خلافك علي، قال: أنت أشد خلافاً علي، أدعوك إلى الصواب، وتدعوني إلى الخطأ? وحدث فيما رفعه إلى عبد الله بن المبارك قال: بعث الحجاج إلى والي البصرة أن اختر لي عشرة ممن عندك، فاختار رجالاً منهم كثير بن أبي كثير، قال: وكان رجلاً عربياً، قال كثير: فقلت في نفسي لا أفلت من الحجاج إلا باللحن، قال: فلما أدخلنا عليه، دعاني فقال: ما اسمك? قلت كثير، قال ابن من? فقلت إن قلتها بالواو، لم آمن أن يتجاوزها، قال: أنا ابن أبا كثير فقال: عليك لعنة الله، وعلى من بعث بك، جيئوا في قفاه، قال فأخرجت. وحدث فيما أسنده إلى الأصمعي، قال: سمعت مولى لعمر بن الخطاب يقول: أخذ عبد الملك ابن مروان رجلاً كان يرى رأى الخوارج رأي شبيب، فقال له: ألست القائل?:
ومنا سويد والبطين وقعنب  ومنا أمير المؤمنين شبيب
قال: إنما قلت أمير المؤمنين، أي يا أمير المؤمنين، فأمر بتخلية سبيله. قال التاريخي: حدثنا أبو بكر الدولابي، حدثنا أبو مسهر قال: سألت سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن الحديث إذا سمعته ملحوناً، فقال: اللحن يفسد الحديث، وذلك أنه يغير معناه، ولم يلق أحد من العلماء إلا مقوم اللسان، قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز أشد الناس في اللحن على ولده وخاصته ورعيته، وربما أدب عليه. قال: وقال نافع مولى ابن عمر: كان ابن عمر يضرب ولده على اللحن، كما يضربهم على تعليم القرآن. وحدث فيما أسنده إلى شريك عن جابر قال: قلت للشعبي. أسمع الحديث بغير إعراب فأعربه? قال نعم، لا بأس به، قال: قال حماد ابن سلمة: مثل الذي يكتب الحديث ولا يعرف النحو، مثل الحمار عليه مخلاته ولا شعير فيها. وروى عن الشعبي أنه قال: لأن أقرأ وأسقط أحب إلي من أقرأ وألحن، وقال محمد بن الليث: النحو في الأدب، كالملح في الطعام، فكما لا يطيب الطعام إلا بالملح، لا يصلح الأدب إلا بالنحو، وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: تعلموا العلم شهراً، والأدب شهرين. وقال رجل لبنيه: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة، يحتاج أن يتجمل فيها، فيستعير من أخيه دابة ومن صديقه ثوباً، ولا يجد من يعيره لساناً: لما قال الفرزدق.
إن الذي سمك السماء بنى لنا  بيتاً دعائمه أعـز وأطـول
قال بعض الحاضرين: أعز وأطول من ماذا? فتفكر الفرزدق، فوافق ذلك قول المؤذن في الآذان، الله أكبر، فرفع الفرزدق رأسه فقال: يا فلان أكبر من ماذا? وقال الخطفي جد جرير:
عجبت لإزراء العيي بنـفـسـه  وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعيي وإنـمـا  صحيفة لب المرء أن يتكـلـمـا
وحدث عن الأصمعي أنه قال: أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" لأنه لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه، ولحنت فقد كذبت عليه.
فصل ثان
في فضيلة علم الأخبار
قال أبو الحسن علي بن الحسين قالوا: لولا تقييد العلماء خواطرهم بالأخبار، وكتبهم للآثار، لبطل أول العلم، وضاع آخره، إذ كان كل علم من الأخبار يستخرج، وكل حكمة منها تستنبط، والفقر منها تشتار، والفصاحة منها تستفاد، وأصحاب القياس عليها يبنون، وأهل المقالات بها يحتجون، ومعرفة الناس منها تؤخذ، وأمثال الحكماء فيها توجد، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس، فكل غريبة بها تعرف، وكل عجيبة منها تستطرف، وهو علم يستمتع بسماعه العالم، ويستعذب موقعه الأحمق، والعاقل يأنس مكانه، وينزع إليه الخاصي والعامي، ويميل إلى روايته العربي والعجمي، "وبعد" فإنه يوصل به إلى كلام، ويتزين به في كل مقام، ويتجمل به في كل مشهد ويحتاج إليه في كل محفل، ففضيلة علم الأخبار تتيه على كل علم، وشرف منزلته صحيحة في كل فهم، فلا يصبر على علمه، ويتقن ما فيه من إيراده وإصداره، إلا إنسان قد تجرد للعلم وفهم معناه، وذاق ثمرته، واستشعر من عزه، ونال من سروره. وقديماً قيل: إن علم النسب والأخبار من علوم الملوك، وذوي الأخطار، ولا تسمو إليه إلا النفوس الشريفة، ولا يأباه إلا العقول السخيفة، وقد قالت الحكماء: الكتاب نعم الجليس والذخر، إن شئت ألهتك بوادره، وأضحكتك نوادره، وإن شئت أشجتك مواعظه، وإن شئت تعجبت من غرائب فوائده، وهو يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والغائب والحاضر، والشكل وخلافه، والجنس وضده، وهو ميت ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء، وهو مؤنس ينشط بنشاطك، وينام بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، ولا يعلم جار ولا خليط أنصف، ولا رفيق أطوع، ولا معلم أخضع، ولا صاحب أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أبدأ نفعاً، ولا أحمد أخلاقاً، ولا أدوم سروراً، ولا أسلم غيبة، ولا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أخف مؤة منه، إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وأكثر علمك، وتعرف منه في شهر، ما لا تعرف من أفواه الرجال في دهر، يغنيك عن كد الطالب، وعن الخضوع إلى من أنت أثبت منه أصلاً، وأرسخ منه فرعاً، وهو المعلم الذي لا يجفوك، وإن قطعت عنه المادة، لم يقطع عنك الفائدة، وكان عبيد الله ابن محمد ابن عائشة القرشي يقول: الأخبار تصلح للدين والدنيا. قلنا: الدنيا قد عرفنا فما للآخرة? قال: فيها العبر، يعتبرها الرجل. وقال الله تعالى مخبراً عن قصة يوسف وإخوته. "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب". وقال تعالى: "ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين". وقال عز وجل: "كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق". ولذلك قال بعضهم لولده: عليك بالأخبار، فإنها لا تعدم كلمة على هدى، وأخرى تنهى عن ردى، وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان. وكان أبو زيد الأنصاري لا يعدو النحو، فقال له خلف الأحمر. قد ألححت على النحو لم تعده، ولقلما ينبل متفرد به، فعليك بالأخبار والأشعار. وقال ابن المقفع في كتابه في الأدب، "ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها، فإن من شأن الإنسان الحرص على الأخبار، ولاسيما ما يرتاح له الناس، وأكثر الناس من يحدث بما يسمع، ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق، ومزراة بالرأي، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، وألا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل".
قال الأخفش علي بن سليمان: أنشدني أبو سعيد السكري:
وذكرني حلو الزمان وطيبه  مجالس قوم يملئون المجالسا
حديثاً وأشعاراً وفقهاً وحكمة  وبراً ومعروفاً وإلفاً مؤانسا
وقال ابن عتاب: يكون الرجل نحوياً عروضياً حسن الكتاب، جيد الحساب، حافظاً للقرآن راوية للشعر، وهو راض بأن يعلم أولادنا بستين درهماً. ولو أن رجلاً كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم. لأن النحوي ليس عنده إمتاع كالنجار الذي يدعى ليغلق باباً، فلو كان أحذق الناس، ثم فرغ من تغليق ذلك الباب، قيل له انصرف، وصاحب الإمتاع يراد في الحالات كلها. وقال أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه: ليس ينبغي )للقرشي وللرجل( أن يستغرق شيئاً من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف والشذر. وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج، انظر لي رجلاً عالماً بالحلال والحرام، عارفاً بأشعار العرب وأخبارها، أستأنس به وأصيب عنده معرفة، فوجهه إلى من قبلك. فوجه إليه الشعبي، وكان أجمع أهل زمانه، قال الشعبي: فلم ألق والياً ولا سوقة إلا وهو يحتاج إلي، ولا أحتاج إليه ما خلا عبد الملك، ما أنشدته شعراً، ولا حدثته حديثاً، إلا وهو يزيدني فيه، وكنت ربما حدثته وفي يده اللقمة فأمسكها، فأقول: يا أمير المؤمنين أسغ طعامك، فإن الحديث من ورائه، فيقول: ما تحدثني به أوقع بقلبي من كل لذة، وأحلى من كل فائدة. وكتب عبد الملك إلى الحجاج: أنت عندي كقدح ابن مقبل، فلم يدر الحجاج ما عنى، فسأل قتيبة بن مسلم، وكان راوية عالماً عن ذلك، فقال: قد مدحك، فإن ابن مقبل نعت قدحه فقال:
مفدى مؤدى بالـيدين مـلـعـن  خليع قداح فـائز مـتـمـنـح
خروج من الغمى إذا صك صكة  بدا والعيون المستكفة تـلـمـح
قال: فكانت في نفس الحجاج حتى ولاه خراسان، وقال محمد بن عبد الملك الزيات في رجل خلو من الأدب:
يا أيهـا الـعـائبـي ولـم تـر بــي  عيبـاً ألا تـتـهـي وتـزدجـــر?
هل لـك وتـر لـدي تـطـلـبـــه  أم لسـت مـمـا أتـيت تـعـتـذر?
إن كـان قـسـم الإلـه فـضـلـنـي  وأنت صلـد مـا فـيك مـعـتـصـر
فالحمـد والـشـكـر والـثـنـاء لـه  وللـحـسـود الـتـراب والـحـجـر
اقـرأ لـنـا سـورة تـخـوفـنـــا  فإن خـير الـمـواعـظ الـســـور
أو ارو فقهاً تـحـيي الـقـلـوب بـه  جاء بـه عـن نـبـينـــا أثـــر
أو هات ما الحكـم فـي فـرائضـنـا?  ما يسـتـحـق الإنـاث والـذكــر?
أو ارو عـن فـارس لـنـا مـثــلاً  فإن أمـثـال فـارس عـــبـــر
أو مـن أحـاديث جـاهـلـيتـنـــا  فإنـهـا عـبـرة ومـعـتــبـــر
أو هات كيف الإعراب في الرفع والخف  ض وكيف التـصـريف والـصـدر?
أو ارو شعـراً أو صـف لا عـرضـاً  يتلى صحـيح مـنـه ومـنـكـسـر
إذا جـهـلـت الآداب مـرتــقـــياً  عنها وخلت العمـى هـو الـبـصـر
ولـم تـعـوض مـن ذاك مـيســرة  علـيك مـنـهـا لـبـهـجة أثـــر
فغن صـوتـاً تـلـهـي الـفـؤاد بـه  وكل ما قـد جـهـلـت مـغـتـفـر
تعـيش فـينـا ولا تـلائمـــنـــا  فاذهب ودعنـا حـتـام تـنـتـظـر?
تغلي علـينـا الأشـعـار أنـى? ومـا  عنـدك نـفـع يرجـى ولا ضــرر
همـك فـي مـرتـع ومـغـتـبــق  كمـا يعـيش الـحـمـير والـبـقـر
باب الألف
آدم بن أحمد بن أسد الهروي

********


Launch in external player

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14554321
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة